كتاب وأراء

الضغوط العالمية الجديدة على قوة أميركا

منذ نهاية الحرب الباردة، والاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة GRAND STRATEGY، تركز على المحافظة على هيمنتها على العالم، مع الأخذ في الاعتبار أن مبدأ الهيمنة مستقر لدى القيادات السياسية على اختلافها، والموزعة على مدرستين للسياسة الخارجية، بعيدا عن الإطار الحزبى. فهناك المدرسة المثالية، وتؤمن بالسيادة الأميركية على العالم ولو بالقوة، وينتمي إليها من الجمهوريين جماعة المحافظين الجدد، وقليل من الديمقراطيين، والمدرسة الواقعية، وتؤمن بالسيادة النسبية، عن طريق تبادلية العلاقة مع دول أخرى.
ومن خلال وسائل تأثير القوة الناعمة، ومن أقطابها من الجمهوريين الرئيس بوش الأب، وجيمس بيكر، وبرنت سكوكرفت، ومن الديمقراطيين بيل كلينتون.
ومعنى المحافظة على السيادة والتفوق، أن يكون في قدرة الولايات المتحدة، تشكيل الأوضاع في دول العالم، ومناطقه الإقليمية، ومنع أي تهديدات مستقبلية. وهذا المفهوم لم يتغير طوال الخمس والعشرين سنة الماضية، وظل يعتمد على نظرة تفاؤلية تجاه الأوضاع العالمية.
اليوم وبعد مرور 25 سنة على انتهاء الحرب الباردة، فإن بعضا من مفاهيم الاستراتيجية الأميركية، أصبحت تحت ضغوط شديدة، وهو شيء متوقع له أن يستمر على مدى السنوات المقبلة. وهذا ما أكدته الورقة التي أعدت لمجلس المخابرات الوطنية THE NATIONAL INTELLIGENCE COUNCIL، وشارك في إعدادها من الخبراء: بيتر فيفر، وويليام إنبودين، وبول ميللر، وكانت الورقة بعنوان «المفاهيم التخطيطية للاستراتيجية العالمية الأميركية». ولا يمكن القول بأن هذه المفاهيم صارت غير ذات موضوع تماما، لكنها بلغت مرحلة حرجة.
وكما يقول الكاتب كريستوفر لين في كتابه «وهم القطب الواحد: لماذا يأتي صعود قوى كبرى جديدة»، إنه ينبغي التنبيه إلى أقوال الذين توقعوا، انتهاء فترة القطب الواحد، التي سادت بعد انتهاء الحرب الباردة. وأن على المسؤولين الأميركيين، التعامل مع عالم ليس هو ما كانوا يتوقعونه. وأن هذا العالم سيكون محكوما بالتنافسية، والتحديات التي أصبح من الصعب على أميركا أن تظل تتعامل معها، بنفس مفاهيم استراتيجيتها التي استقرت لزمن طويل.
ومازالت الولايات المتحدة، على المستوى العالمي تستحوذ على مزايا عسكرية هائلة، من حاملات الطائرات، والطائرات بدون طيار، إلى غواصات مجهزة بقدرات نووية، وطائرات تكتيكية متطورة، لكن يقابل ذلك الصعود في تطوير القدرات العسكرية في الصين، والمستمر منذ عشرين عاما، وهو ما يغير من ميزان القوى العسكرية في شرق آسيا.. ويخلق معوقات أمام قدرة أميركا على التدخل هناك، لصالح حلفاء لها. وكما تقول مؤسسة «راند» الأميركية، في تقرير لها، إن آسيا ستشهد خلال الفترة القادمة من خمسة إلى خمس عشرة سنة، تراجعا في القدرات الأميركية على الحركة هناك للإبقاء على هيمنتها، وتعزيزا للقدرات العسكرية الصينية، التي يدعمها النمو الاقتصادي السريع، والذي جعلها تستحوذ على 11.4% من الناتج الإجمالي العالمي، وارتفاع إنفاقها العسكري إلى ما نسبته 11.2% من الإنفاق العسكري العالمي، بحسب تقديرات عام 2014.
وبخلاف آسيا، ففي شرق أوروبا برامج تحديث أساسية عسكرية لروسيا، مما يسمح لها بزيادة وجودها على طول الحدود الشرقية لحلف الأطلنطي، وهو ما يضعها في حالة تنافسية مع قدرة الولايات المتحدة على التدخل إلى جانب أي من حلفائها، إذا ما نشبت أزمة في هذه المنطقة.
أضف إلى ذلك، أن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين أصبحوا أقل قابلية للتدخل، استجابة لأي مطالب أميركية لمساندة استراتيجيتها، بعكس ما كان عليه الحال في بداية فترة ما بعد الحرب الباردة.
بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري