كتاب وأراء

انتهى الوقت

هل فقدت قبل ذلك شخصا عزيزا عليك وتمنيت لو أنك قد أجريت معه حوارا واحدا آخر.. أو أن تتاح لك فرصة واحدة أخرى لتعوض الوقت الذي ظننت فيه أنه سيظل متاحا لديك إلى الأبد؟
اذا مررت بذلك.. فإنك تعرف ان بوسعك ان تمضي عبر حياتك كلها مضيفا يوما وراء آخر دون ان تعثر على الشخص الذي تطمع في استعادته.
هذا ما ورد في كتاب للصحفي ميتش ألبوم والذي روى فيه قصة حقيقية لشخص تجاهل أقرب الناس اليه «أمه» وحملها مسؤولية طلاقها من أبيه وابتعاد الأب الذي عاد في ما بعد ليهدم كل ما بنته.
يقول صاحب القصة: بعد أن دفنت أمي في باطن الأرض استسلمت للبكاء والنحيب حتى غبت عن الوعي. تغير شيئا ما.. يمكن ليوم ما ان يحول حياة المرء.. وذلك اليوم بدأ وكأنه يشدني إلى الهاوية دون رأفة أو شفقة. عندما كنت صبيا صغيرا كانت أمي لا تغفل عني وكانت تقدم لي كل شيء- النصح النقد- وكل ما تتضمنه الأمومة من تدليل ورعاية مفرطة. لدرجة انه كانت تمر بي بعض الأوقات التي أطلب منها فيها ان تتركني لحالي. لكنها ماتت.. ماتت.. لا مزيد من الزيارات. ولا مزيد من الاتصالات الهاتفية. ودون ان أدرك حتى.. بدأت أترنح هنا وهناك. كما لو ان جذوري اقتلعت. تعمل الأمهات على تغذية أوهام بعينها داخل أطفالهن. وأحد الأوهام الخاصة بي هو أنني أحب نفسي على ما بها من عيوب. ذلك لأنها كانت تحبني كما انا وعندما ماتت غابت معها هذه الفكرة. وتشارلي كما كانت تخاطبه والدته لم يندم على الحب الذي فقده الا بعد ان خسر كل شيء. الزوجة والابنة التي لم تدعوه لحفل زفافها وقبل ذلك الشهرة المؤقتة التي اكتسبها كلاعب بيسبول ومن اجلها وبناء على نصيحة والده ترك الجامعة. لقد خسرت والدته عملها كممرضة بعد الطلاق. وتم الاستغناء عن خدماتها حين تقدمت بشكوى ضد احد الأطباء الذي تحرش بها. وبدلا من معاقبته أنهيت خدماتها. عملت في صالون تجميل وأتقنت عملها ولتزيد دخلها عملت كخادمة في البيوت. من اجله ومن اجل شقيقته. وكانت سعيدة لدخوله الجامعة. وعندما ظهر الوالد الغائب بعد ثمان سنوات هجر الدراسة من اجل حلم والده وليس من اجل حلمه هو. واحترف الرياضة لمدة ستة أسابيع قبل ان يتم الاستغناء عنه كلاعب محترف. واضطر للتنقل بين الأندية المتوسطة المستوى حتى هوى للحضيض ولم يعد له مستقبل. واختفى الأب الذي شجعه على هجر الدراسة ليعود بعد سنوات ويخابره في اللحظة التي كان يحتفل فيها بعيد ميلاد امه. ومرة اخرى يتخلى عن الجو الأسري ويخترع كذبة ليسافر ويلعب الكرة مع فريقه القديم. وفي نفس اليوم ترحل والدته ويختفي الأب للمرة الأخيرة بعد ان تأكد ان لا مستقبل لابنه في عالم الرياضة. ولا يجد طريقة يصفح بها عن نفسه لاهماله والدته طفلا وصبيا وشابا ورجلا على مشارف الكهولة سوى بمعاقرة الخمر.
وفي غيبوبة الموت يلتقى بوالدته ويبدأ يصغي للحكايات التي كان يرفض سماعها حين كانت على قيد الحياة. كانت تبدو حقيقة وأقسم أنها رآها وتحدث معها وعلم منها سر اختفاء والده من حياتهم الذي أخفته عنهم، لقد كان ببساطة متزوجا من أخرى قبلها. وكان لديه اخ يكبره ولم يسمع عنه، وبعذوبة فائقة كان ينتقل مع والدته من محطة لأخرى وهو سعيد بعناقها الذي كان يمقته حين كانت حية. لقد طلبت منه ان يعيش وأن يصفح ومع اختفائها استجاب لمحاولة إنعاشه وهو ممدد على العشب وشبه ميت بعد حادث اصطدامه بشاحنة وهو مخمور، ثم خضع للعلاج واستعاد بإرشاد من روح أمه التي التقاها للحظات الأجزاء المفقودة في عالمه، وأهمها ابنته.. او كما قال: إنني أومن في أعماق روحي أن أمي وفي موضع ما يقع بين عالمنا والعالم الآخر منحتني يوما واحدا آخر، يوم كنت بأمس الحاجة إليه.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري