كتاب وأراء

أوروبا بين حقوق الإنسان وصفقات اقتصادية

تشهد مصر زيارة رسمية للرئيس الفرنسي «هولاند» في وضع يتميز بحدّة القمع الرسمي الذي تمارسه السلطات المصرية على كل أطياف المعارضة المدنية في الشارع المصري سواء كانت هذه المعارضة حزبية أم غير حزبية وذلك منذ الانقلاب الدامي الذي دشّنه العسكر على الرئيس المدني المنتخب في صيف 2013.

الزيارة الرسمية تقع بين قطبين أساسيين أحدهما لا يعدو أن يكون واجهة إعلامية في حين يمثل الثاني جوهر الزيارة وقلبها الحقيقي. الوجه الأول هو الوجه الدبلوماسي والحقوقي متمثلا في سعي فرنسا المعلن إلى حثّ مصر الرسمية على الالتزام بالقوانين الدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان التي تشمل التعامل مع مساجين وحالات الإيقاف واحترام القضاء.

أما الوجه الثاني فيتمثل أساسا في الصفقات الاقتصادية وخاصة العسكرية التي تسعى فرنسا إلى إبرامها مع النظام الانقلابي هناك. فليست زيارة الرئيس الفرنسي في الحقيقة إلا جولة أخرى من جولات البحث الفرنسي الدائم عن أسواق جديدة لصفقات قد تخفف من حدّة الاختناق التي يعاني منها اقتصاد القارة العجوز بشكل عام واقتصاد فرنسا المتعثر بشكل خاص. وهي من ناحية أخرى تمثل فرصة كبيرة أمام النظام الانقلابي من أجل التمتع بشرعية دولية والتطبيع مع القوى الأوروبية الكبرى وضمان الاعتراف العالمي به كحاكم لمصر رغم سجل العسكر الأسود في مجال حقوق الإنسان.

فرنسا مثلها مثل إيطاليا فقدت مواطنا من مواطنيها تحت التعذيب في مراكز التحقيق المصرية وكانت هذه الممارسات شاهدا بسيطا على حجم القمع الذي يرزح تحته الشعب المصري بأسره بعد مجزرة رابعة والنهضة اللتين ذهب ضحيتهما الآلاف من المتظاهرين المدنيين برصاص الجيش والشرطة.

مما لا شك ولا خلاف فيه باعتراف كل المنظمات الحقوقية مستقلة كانت أو حكومية أن وضع حقوق الإنسان المصري يكاد يكون الأسوأ في العالم لا في المنطقة العربية فحسب وهو وضع لا يتجاوزه في حجم الانتهاكات والجرائم سوى النظام الطائفي في سوريا. لكن رغم ذلك ورغم كل الشواهد المادية الثابتة التي تؤكد حجم الانتهاكات والتي يعاقب عليها القانون الدولي إلا أن القوى الدولية نفسها تغمض العين عن كل هذه الجرائم في سبيل الصفقات الاقتصادية والعقود المغرية التي قد تنقذ اقتصادها من الأزمات.

الظاهر الجلي هو أن حقوق الإنسان في المنوال الأوروبي سرعان مع تتبخر لصالح العقود والصفقات بل الأخطر من كل ذلك هو أنّ ملف حقوق الإنسان ومجموع الشعارات المرتبطة به لا يعدو أن يكون وسيلة للضغط على الدول والأنظمة المغضوب عليها من أجل ابتزازها أو تشويه صورتها لدى الرأي العام العالمي.

إن استمرار الخطاب الأوروبي خاصة والغربي عامة في التعامل مع المنطقة العربية بازدواجية في المعايير وفي الخطاب سينسف كل الشعارات والنظريات التي تكوّن رؤية الإنسان العربي للآخر الأوروبي حضاريا وسياسيا.



بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد