كتاب وأراء

..«الجهادي الأوروبي».. أحدث نموذج للإرهاب

ظاهرة جديدة قديمة استفاقت عليها أوروبا بعد الاعتداءات الأخيرة التي ضربت باريس في نوفمبر 2015 والتي طالت مركز القرار الأوروبي في بروكسيل عاصمة بلجيكا في مارس 2016.

«الجهادي الأوروبي» أو «الإرهابي الأوروبي» كما يحلو للإعلام الرسمي الغربي تسميته نموذج فريد في جدّته وفي فرادة مجموع الخصائص التي تكونه بشكل يختلف عن النموذج الكلاسيكي القديم. النموذج الجديد هو الذي اصطلح عليه الخطاب التصنيفي أوروبيا بـ «المنحرف الإرهابي» وهو نموذج ناشئ يتميز عن المثال النمطي الذي كرّسه الإعلام الغربي بخصائص أساسية أهمها:

تتمثل الخاصية الأولى في أن المنحرف الإرهابي شخصٌ حديث العهد بالتديّن بل حديث العهد به جدّا وهي خاصية تلغي الخاصية القديمة التي تصوّر النموذج الإرهابي الاوروبي على أنه فرد موغل في التدين متطرف في قراءة النص الديني وفي تأويله.

أما الخاصية الموالية فتتمثل في النشأة الغربية لهذا العنصر حيث ولد كل المنفذين لاعتداءات فرنسا وبلجيكا على الأرض الأوروبية ودرسوا في مدارسها ويحملون جنسيتها مما يفصلهم بشكل كبير عن الحاضنة العربية الإسلامية من جهة المنشأ والتربية والتعليم. هاته الخاصية تترجم سلوكيا بعجز هذه العناصر عن التواصل مع العالم العربي الإسلامي إلا من خلال المتخيل أو المتصوَّر الغربي بسبب عجزها عن اتقان اللغة العربية مما يتسبب لها في عقبتين تواصليتين: الأولى داخلية أوروبية، والثانية عربية خارجية. بذلك يكون ربط هذا النموذج المنحرف بالحاضنة العربية الإسلامية باعتبارها مصدرا له ربطا مرفوضا تأويليا، لأنه ربط موجّه لا يتأسس على معطيات موضوعية أو علمية.

تتجلى الخاصية الثالثة في الطابع غير السويّ أو المرَضي للعنصر المتطرف، حيث كشفت التحقيقات أن منفذي اعتداءات بلجيكا أصحاب سوابق عدلية وإجرامية خطيرة تصل إلى حدود السطو المسلح ومحاولة القتل. هذا يكشف عن خلفيات غير سويّة في هذه الشخصيات النموذجية، ويؤكد أنّ الدوافع التي قادت إلى الهجمات الدامية لم تكن كما يصورها الإعلام الرسمي جزءا من حرب حضارية أو حتى كما يتصورها منفذو العمليات أنفسهم باعتبارهم جنودا من جنود هذا الدين أو هذه القضية.

الخاصية الرابعة والأساسية هو أن أغلب هؤلاء الجهاديين الأوروبيين قد مرّوا بساحات القتال والفوضى الكثيرة داخل المنطقة العربية وداخل احزمة الصراعات المنتشرة على طول الرقعة المشرقية خاصة. أي أن حالة الفوضى التي أعقبت قمع النظام الاستبدادي العربي لثورات الحرية في سوريا خاصة ومنطقة الشام هي التي جذبت هاته العناصر ووفرت لها الحاضنة العسكرية والفكرية والتجريبية لنزعاتها القتالية أو الاستخبارية.

محمد هنيد

محمد هنيد