كتاب وأراء

ثلاثية الفساد والاستبداد والإرهاب

لقد اتخذت الظاهرة الإرهابية خلال السنوات الأخيرة أبعاداً دولية شاسعة وطاغية، خاصة خلال الفترة التي أعقبت الربيع العربي والتي اتسمت بتمدد تنظيم داعش الإرهابي في كامل المنطقة العربية تقريباً.. لكن هذا التمدد المفاجئ جاء ردّ فعل سريعاً على ثورات الحرية التي انطلقت من تونس في شتاء سنة 2010 وهو ما يسمح تحليلياً بإدراج نشأة التنظيمات الإرهابية وتمددها وتطورها ضمن هذا الإطار العام للتغيرات الاجتماعية والسياسية التي تضرب المنطقة.

الثورة العربية جاءت نتيجة مطالب الحرية والكرامة الاجتماعية وجاءت تنديداً بالاستبداد والظلم المسلط على الشعوب التي انتفضت وأسقطت أنظمة في ظرف قياسي وجيز.. هذا الاستبداد السياسي أساس إنما يمثل في الحقيقة الحارس الأمين للفساد أو بالتحديد لدولة الفساد بما هي الدولة العميقة في النظام الشمولي.. بناء عليه فإن المنظومة الثلاثية السابقة والمكونة من الفساد والاستبداد والإرهاب إنما تتوزع وظيفياً بشكل تتابعي مغلق يحصّن فيه العنصرُ السابق العنصرَ اللاحق ويمدّه بشروط وجوده وديمومته.

النظام الشمولي العربي الذي تهاوت أركانه خلال موجات الربيع الأخيرة يشكل عبر القوة العسكرية والأمنية الحارسة له أكثر أشكال الاستبداد العربي تجلياً ووضوحاً وهو بذلك يشكل الواجهة المرئية والمباشرة للبنية الوظيفية.

تحت هذا الغطاء السياسي تكمن دولة الفساد بأبنيتها المنتشرة في كل مفاصل الدولة، وهو ما يصطلح عليه بدولة العمق بما هي نواة الدولة الاستبدادية وقلبها النابض الذي لا يسقط معها، كما رأينا ذلك خلال الثورات الأخيرة التي عرفتها المنطقة، حيث لم تسقط دولة الفساد مع سقوط الواجهة الرسمية للنظام مثلما هو الحال في تونس ومصر وليبيا واليمن.. بل الأخطر من ذلك هو أنّ دولة العمق قادرة على إحياء دولة السطح أو بنية السطح متى سقطت أو تداعت مثلما حدث في مصر بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب شرعياً «محمد مرسي» .. ولتحقيق هذا الهدف تتمتع هذه البنية المقنّعة بأذرع إعلامية ومالية صلبة وتتحصّن كذلك وراء أستار عسكرية وأمنية داخلياً وخارجياً قادرة على دفعها وإحياء ثقافتها متى دعت الحاجة إلى ذلك.

أما ثلاثة الأثافي في هذه البنية الثلاثية، فهو المكوّن الإرهابي وهو في نظرنا المكوّن الأخطر فيها، لأنه رابط جديد بين المكونين السابقين وقد أثبت نجاعة وقدرة عالية في التمكين للمنوال الاستبدادي وللدولة العميقة نفسها، أي للفساد ومنعهما من السقوط.. الثورة السورية مثلاً هي أنصع الأمثلة على نجاح الإرهاب في إحياء الدولة الاستبدادية بما هي دولة مؤسسة على الفساد ومنعها من السقوط والتهاوي.. وهي كذلك شاهد على ارتباط الأجهزة الاستخبارية والأمنية في الدول العربية الاستبدادية بالمنظمات الإرهابية وتوظيفها في خدمتها مثلما أثبتت ذلك تجارب عربية كثيرة في الجزائر ومصر وليبيا وسوريا وتونس.

لا فكاك إذن من خطر الإرهاب الذي أصبح اليوم أولوية دولية وعالمية دون فك الارتباط بينه وبين الدولة العميقة بما هي دولة الفساد والنهب ودون قطع الوريد الذي يربط الإرهاب بالدولة الاستبدادية العربية المانعة لكل نهضة اقتصادية واجتماعية تقضي على شروط العنف والتطرف.



بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد