كتاب وأراء

الدرس الأوروبي الأخير

لم تشهد الأرض الأوروبية أو «القارة العجوز» هجومات دامية بحجم التي عرفتها خلال الأشهر الأخيرة سواء من خلال كثافة الهجمات أو من خلال رمزية المواقع التي استهدفت بها، فضربات باريس التي أدمت عاصمة الأنوار خلال الأشهر القليلة الماضية مثلت صدمة حقيقية للشارع الفرنسي الذي لم يكن يتوقع هجمات بهذا العنف وبهذه الدموية خاصة وأنها أعقبت هجمات سابقة هي التي استهدفت مقر صحيفة «شارلي هيبدو» الساخرة. عنف الضربات استهدف هذه المرة «مطار بروكسل» ومحطة مترو الأنفاق القريبة من المقرات الرمزية للاتحاد الأوروبي بما أن العاصمة البلجيكية هي في الوقت نفسه عاصمة الاتحاد الأوروبي ومقر أهم مؤسساته الحيوية.

أبرز الدروس المستفادة من هذه الضربات كما عبرت عن ذلك وسائل الإعلام الفرنسية والبلجيكية هو فشل المقاربة الأمنية في القضاء على الظاهرة وفي احتوائها أو في توقع حدوثها والحد منها، فالحي الذي انطلقت منه هذه العمليات وهو حي «مولينبيك» يمثل المصدر نفسه الذي انطلقت منه العمليات السابقة التي ضربت باريس والتي تضرب بلجيكا هذا اليوم وهو ما يشكل فشلا أمنيا واستخباريا ذريعا للمنظومة الأوروبية ككل.

لا يظهر هذا الفشل الكبير في التصريحات الإعلامية الجريئة لبعض المسؤولين الأوروبيين فحسب بل يتجلى أكثر في الشعور الشعبي العام الذي يغلب عليه اليأس من الاجراءات الأمنية الكثيفة التي لم تمنع ضرب المطار البلجيكي رغم وقوعها في إطار حالة تأهب أمني واستنفار عام بسبب تتبع الخلية الإرهابية التي أنجزت هجوم باريس مؤخرا والتي انتهت بإلقاء القبض على أحد أهم المتهمين فيها وهو المدعو «صلاح عبد السلام».

الأكيد أيضا هو أن هذه الضربات التي طالت العمق الأوروبي ستكون لها نتائج كبيرة على مستويات مختلفة سواء ما تعلّق منها بالجانب السياسي أو الاجتماعي في علاقة المهاجرين المسلمين بالمجتمعات التي يعيشون فيها أو على المستوى الحضاري العام أي في تمثل علاقة الحضارة العربية الإسلامية بالحضارة الغربية الأوروبية.

أما الخطر الأكبر فيظهر في الاستثمار الكبير للهجمات الإرهابية من طرف تشكيلات اليمين المتطرف والجماعات العنصرية التي لا ينفك نفوذها يتصاعد يوما بعد يوم.

الموقف الأوروبي الرسمي بات اليوم واعيا بخطر الضربات الإرهابية على نسيجه الاجتماعي الداخلي قبل غيره من المخاطر وبات يدرك أيضا أن الاستثمار السياسي لهذه الهجمات وتوظيفها هو أخطر من الهجمات نفسها كما يسود موقف عام أكثر رسوخا بأن الحل الأمني مهما كانت درجة يقظته وتحفزه فهو عاجز عن منع الهجمات أو استباقها بشكل كليّ.

إن مقاربة الظاهرة الإرهابية مقاربة علمية موضوعية بعيدا عن التوظيف السياسي أو اتهام هذه الدولة المسلمة أو تلك زورا كما تعوّد الإعلام الأوروبي على ذلك إنما يمثل اليوم مدخلا ضروريا من أجل إنقاذ النسيج الاجتماعي الأوروبي نفسه ومنع أخطار الانزلاقات التي قد تعصف ببنية الاقتصاد والمجتمع ككل.



بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد