كتاب وأراء

أدعو له

هناك حديث قدسي يقول «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ».
وهذا الحديث ينطبق على عدد محدود وقليل من البشر، فنادرا ما يتفق الناس على محبة شخص واحد بعينه، وإن كان لكل قاعدة استثناء، فإن الاستثناء وجدته وعرفته في شخص الدكتور «صفوان زيدان» وخلال السنوات التي أستمرت فيها صداقتنا لم أجده يوما متكالبا على جمع المال مثل أغلب زملائه في المهنة، تولى أكبر المناصب، ولم أره يوما متفاخرا أو مغترا بهذه المناصب، بل كان أقرب للزهد والتعفف، بسيطا وواضحا وصادقا، نقيا بعمق، بريئا وصريحا ومحبا للحياة والناس، لطيفا مع اللطفاء والأجلاف، لا يخجل من الاعتراف بخطئه إذا أخطأ في حق أحد أو جانبه الصواب في مسألة ما، كان عمر طفلي شهرا واحدا حين قابلته كطبيب للأطفال لأول مرة، وعندما بلغ السادسة عشرة وتعرض لوعكة صحية اصطحبته للطبيب الوحيد الذي أثق به ثقة عمياء، ضحك وهو يفحص ابني الذي لم يعد طفلا، ووصف له العلاج اللازم، وحين تعب من المشاحنات والدسائس افتتح عيادة خاصة به، ولم يكن يربح الكثير، بل لم يكن يربح على حد علمي شيئا يذكر، إذ اعتاد من كان يعرفونه سابقا على اعتباره موظفا بدرجة طبيب، فلم يكونوا يدفعون رسوما، أما من كان يعرفهم جيدا ويحمل لهم معزة خاصة مثلي فكان يرفض أن يتقاضى منهم رسوما، وكان يدفع إيجار العيادة من ماله الخاص دون أن يتذمر، قليلة هي المرات التي رأيته فيها ثائرا وغاضبا، وذلك حين علم بالصدفة أن إحدى السيدات الثريات ثراءً فاحشا كانت تصطحب أطفالها الثلاثة إلى طبيب آخر بعد خروجها من عيادته، ففي حين كانت تضيع وقته بفحص أطفالها بالجملة ومجانا، كانت تقلل من قدره بالذهاب إلى آخر في نفس اليوم تدفع له نقودا وتتبجح بذلك.
اقترحت عليه أن يغلق العيادة ما دامت غير مجدية، لكنه ابتسم وقال: وكيف التقي أصدقائي إذن؟!
كانت له هوايتان، جمع الأكواب من جميع أنحاء العالم، وعرضها في عيادته ومنزله خلف نوافذ زجاجية وكان يملك المئات منها وربما الآلاف، إذ كان كل محبيه وأصدقائه يجلبون له عشرات الأكواب كلما حطوا رحالهم في بلد، وجمعتنا الهواية الثانية وهي الكتب، فقد كان قارئا نهما، ومثقفا ثقافة عالية، وكاتبا جيدا على الرغم من أنه لم ينشر سوى القليل.
لم نختلف سوى مرة واحدة، وكان محقا وكنت مخطئة، إذ حدثته ذات مرة عن فكرة أنوي كتابتها للتليفزيون، فثار واحتد ونصحني بالتخلي عنها، لكنني رفضت الإصغاء، ولم أجد حرجا في الاعتراف له بتسرعي في كتابة هذا الموضوع الشائك بالرغم من أن العمل حاز على جوائز، وحظي بإقبال جماهيري.
كان زوجا وأبا وأخا وصديقا رائعا، وبقدر ما تؤلمني كلمة كان التي تسبق الحديث عن أحباء رحلوا، لا أملك إلا الدعاء لهم وله، وللشاعر «أمل دنقل» فكل الأحبة يرتحلون.. فترحل عن العين شيئا فشيئا ألفةُ هذا الوطن.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري