كتاب وأراء

لكننا نحب الحياة أكثر من الموسيقى

وأنا ابحث على موقع غوغل عن تاريخ المايسترو الروسي (فاليري غيرغيف) الذي قاد الأوركسترا الروسية- السورية المشتركة في مدينة تدمر السورية قبل أيام، لفت نظري أن معظم الصحف والمواقع العربية قد كتبت عن هذا الحدث بحيادية تامة وكأنه مجرد خبر في صفحات المنوعات أو الصفحات الفنية الثقافية عن حفل موسيقي كبير في مدينة عربية! قليلة هي المقالات التي قرأت فيها تحليلا لحدث كهذا، التحليلات التي قرأتها بالعربية كانت في غالبها مترجمة عن الإعلام الغربي، أما الإعلام العربي فاصبح، بقدرة قادر، محايدا تماما تجاه الحدث وتجاه مدينة تدمر وتجاه سوريا، لم يشر أي تقرير إلى خلفية الحفل السيمفوني الكبير في تدمر، لم يشر أحد إلى أن الأوركسترا الروسية تعزف الموسيقى في أقدم مدن التاريخ بينما الطائرات الروسية الداعمة للطائرات السورية تلاحق المدنيين السوريين لتقتلهم حتى في أماكن لجوئهم، إذ في نفس الوقت الذي كان فيه الهواء ينقل ترددات أصوات الآلات الموسيقية التي تعزف إحدى مقطوعات بيتهوفن، كان الهواء نفسه يخفي أصوات المقاتلات الروسية التي تضرب مخيما للاجئين على الحدود التركية السورية، هو مخيم حندرات، مخفيا معها أصوات استغاثات المدنيين الذين تحولوا إلى أشلاء، وأصوات قهر عشرات العائلات التي فقدت أبناءها في تلك العملية العسكرية (النوعية) التي ربما يطلق عليها التاريخ ذات يوم إسم عملية (ترانيم الموسيقى)!؛ وفي الوقت نفسه أيضا، كان جنود سوريون يقتحمون سجن حماه المركزي بعد أن قام المعتقلون فيه باعتصام ضد سوق العشرات منهم يوميا إلى الإعدام، الاقتحام تم فيه استخدام القنابل الغازية والرصاص الحي بينما صرخات استغاثات المعتقلين، الذين في غالبيتهم شباب لم يتجاوز أكبرهم الثانية والعشرين من عمره، منعها صوت الموسيقى في تدمر أيضا من الوصول إلى أحد، لم يذكر الإعلام والصحافة العربية التي نقلت خبر الحفل الموسيقي الكبير كل ذلك، لكنه لم ينس أن يذكر أن المسرح الذي أقيم فيه الحفل، استخدمته داعش سابقا في عرض مسرحي من نوع آخر قامت فيه، على الملأ، بقطع رؤوس عدد كبير من عناصر الجيش السوري المقحمين في هذه الحرب القذرة في الوقت الذي كانت فيه طائرات التحالف الدولي ضد داعش تحلق فوق تدمر مستمتعة، ربما، بالعرض، لم يخطر في بال الإعلام العربي أن يتساءل كيف انسحبت داعش من تدمر واستلمها النظام دون معارك تذكر؟ كيف عادت داعش لتحتل حقل شاعر النفطي القريب من تدمر وتقتل المزيد من الجنود السوريين؟ كيف قامت بتفجر انتحاري في قرية (مخرم ) القريبة من حمص ومن تدمر، وراح ضحية التفجير عشرات الأبرياء؟ كيف وكيف، أسئلة كثيرة تخطر في بال السوري الذي يقرأ تقارير افعلام العربي عن الحفل الموسيقي الروسي الكبير في مدينة تدمر، الحفل الذي تابعه الرئيس الروسي من مقر إقامته في منتجع (سوتشي) على البحر الأحمر ووجه بعد الحفل كلمة عبر الأقمار الصناعية إلى جنوده ومقاتليه في سوريا.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران