كتاب وأراء

عن الإعلام .. المهنة والتقاليد والأخلاق

ثمة شيء لافت هذه المرة؛ غرف الأخبار في المحطات التليفزيونية وصالات التحرير في الصحف، تحل مكان مراكز صناعة القرار، لا، بل تسعى لشدها خلفها.
انهارت تماما القيم التي تعلمناها في مهنة الإعلام والصحافة؛ الموضوعية والتوازن في عرض الأخبار والتحليلات، وقبل هذا وذاك دقة المعلومات وصدقيتها.
لم يعد ذلك كله مهما، فقد صار بالإمكان صناعة قصة صحفية، وتقرير تليفزيوني، وتدشين حملات هجاء إعلامي استنادا لمزاعم مفبركة، تم نفيها بالكامل.
لا نريد الخوض في تفاصيل الشق السياسي من الأزمة في البيت الخليجي، ولا في تداعياتها المحتملة، ما يعنينا هنا هو الإعلام؛ المهنة والتقاليد والقيم الإخلاقية.
لطالما عانينا في البلاد العربية من مشكلة الإعلام الموجه، والتجنيد التليفزيوني والصحفي، على حساب الحقيقة وتعدد الأراء، وهي حقوق ثابتة ومتفق عليه للجمهور. وكان راهن الشارع العربي على المنابر الإخبارية الصاعدة في مجال الفضائيات لتعيد لهذه القيم مكانتها، وتحترم حق المشاهدين والقراء في الإحاطة بالمواضيع المطروحة من كل جوانبها، وترك الحكم النهائي للمتلقي.
لكن، وبكل أسف، بدأنا نلحظ ومنذ سنوات عكس ذلك تماما، وفي الأزمة الأخيرة تجلى السقوط المهني بأبشع صوره. ولم تعد الخطورة تقتصر على الإساءة لذوق المشاهدين والانتقاص من حقهم المشروع بتغطيات متوازنة، بل أبعد من ذلك؛ العمل وبشكل ممنهج، لتمزيق الصف الواحد، وهدم البيت الواحد، والضغط على أصحاب القرار السياسي لاتخاذ خطوات لن تزيد سوى تمزيق الأمة الممزق حالها أصلا والغارقة في حروب وفوضى لم تشهد مثلها منذ قرن من الزمان.
فقد أخذت ماكينات إعلامية على عاتقها حشد الحجج والبراهين لإقناع أصحاب القرار باتخاذ خطوات إحادية، وراحت تفتش في دفاتر قديمة لإحياء خلافات سابقة، ونبش ثارات قديمة، وتغذية حساسيات شخصية، وتأليب الشعوب على بعضها، دون أدنى اعتبار للنتائج الكارثية المترتبة على ذلك.
لا يعنينا كإعلاميين صحة هذا الموقف السياسي من عدمه، وظيفة الإعلام هي تسليط الضوء على التفاصيل كاملة، وعرض وجهات النظر باتزان وموضوعية. ما حصل كان العكس تماما، لقد بقيت وسائل إعلام تعمل ليل نهار على جلد واتهام طرف واحد، من غير أن يظهر على شاشاتها أو صفجات جرائدها من يمثل هذا الطرف ليرد على الاتهامات ويفند المزاعم.
لقد كانت بحق حملة لاغتيال الرأي الآخر، عادة ما تقوم فيها الحكومات الدكتاتورية عندما تسجن أصحاب الرأي المخالف، فتتولى وسائل الإعلام إنصاف المظلومين وإسماع صوتهم للعالم. هذه المرة انقلبت وسائل إعلام على نفسها، وتكفلت بقمع الرأي الآخر، ونبذه وتشويه صورته، لا، بل وزاودت في قمعها على الحكومات.
الرأي العربي يعاني من حالة الاصطفاف الإعلامي والانحيازات المطلقة على حساب الحقيقة، والخندقة التي تسببت في تقسيم أفراد العائلة الواحدة وزرع الشقاق بينهم، وبث العداء والكراهية بين الشعوب العربية.
في الأزمة الأخيرة، بلغت وسائل إعلام مستوى غير مسبوق في تعميم رسائل الكراهية والشقاق، وتعميق الانقسامات وصب الزيت على النار.
لقد حان الوقت ليتداعى الإعلاميون على المستويين الخليجي والعربي، للتوافق على ميثاق شرف إعلامي يلتزم الجميع بموجبه بالمعايير المهنية والإخلاقية في عملهم، ويتبنوا مدونة سلوك، تعظم الجوامع بين شعوب الأمة، وترفض التقسيم، وتعيد الاعتبار لقيم العمل الإعلامي.
هل لا يزال هناك متسع لمثل هذه الخطوات؟
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان