كتاب وأراء

كيف تحولنا إلى قتلة افتراضيين ؟

التخوين كان الأسلوب الأول الذي استخدمه النظام السوري ضد معارضيه منذ ما قبل الثورة، فكل من كان يناقش في الثوابت التي وضعها النظام وحددها، بوصفها ثوابت وطنية، كان يتعرض للاعتقال بتهمة الخيانة والمساس بأمن الوطن، حيث الوطن بعرف النظام لم يكن سوى الأسد (الأب والابن) والدائرة الصغيرة حوله، لم يقتصر الأمر على النظام، بل طال غالبية المجتمع السوري وقتها، القلة الاستثنائية التي عارضت نظام الأسد الأب ودخلت المعتقلات ودفعت سنوات طويلة من عمرها ثمنا لمواقفها، كانت بعرف المجتمع خائنة أيضا، يتم التعامل معها بحذر، مسببه الأول الخوف من المصير ذاته في حال التواصل معها، واللاوعي الذي تشكل في ذهن السوريين عن ارتباط الوطن بالأسد، الحاكم، فكل معارض للأسد هو معارض للوطن وخائن له دون جدال، بعد انطلاقة الثورة ومع الأعداد الهائلة للسوريين التي خرجت ضد نظام الأسد، اقتصرت تلك الرؤية في الربط بين الوطن والحاكم على مؤيدي الأسد، هكذا ظهر لدى هؤلاء أن الملايين التي وقفت مع الثورة ليسوا أكثر من خونة باعوا وطنهم لأجل حفنة من البترودولار، ثم بعد الخيانة تحولوا إلى إرهابيين، حتى لو كان المعارضون من مؤيدي الحل السلمي ومن الباقين في قلب سوريا، هذا غير مهم، من يعترض على وجود الأسد ونظامه أو يطالب بوقف الدم أو بتغيير ديمقراطي هو خائن وإرهابي بعرف مؤيدي الأسد، كان يمكن للفرز أن يبقى هكذا، وأن يبقى الفارق الأخلاقي واضحا بين مؤيدي الثورة ومؤيدي نظام القتل، كان يمكن لهذا الفارق لو حصل أن يحمي ما تبقى من الوطن والرابط الاجتماعي الوطني بين السوريين، غير أن ما حدث كان عكس ذلك، سرعان ما أصبح كثر من مؤيدي الثورة في نفس خانة أعدائهم، كل من لا يؤيد الثورة هو خائن للوطن وعميل للنظام وقاتل، حتى لو كان المتهم مجرد صامت أو خائف أو متردد، طالما لم يعلن انحيازه للثورة فهو خائن وعميل وقاتل، ولم يقف الأمر هنا لدى مؤيدي الثورة، فسبب الافتراقات التي طرأت على الثورة، ظهرت فيها اتجاهات وانحيازات متعددة ومختلفة، فمن مجموعة ترى الحل السلمي هو الأمثل، إلى أخرى ترى في الجهاد المسلح حلا لا بديل عنه، إلى الجهاديين الراديكاليين بكتائبهم المختلفة والمتناحرة، إلى الفصائل الإسلامية الأخرى وهكذا، وصار لكل اتجاه مجموعة من المؤيدين يقفون في وجه كل من يقول رأيا لا يتناسب مع توجههم ويتهمونه بخيانة الثورة والعمالة للنظام، هكذا أيضا تحولت كل مجموعة من مجموعات الثورة إلى الثورة ذاتها وبالتالي إلى الوطن، فإن كنت مثلا لست معجبا بأداء كتيبة أو حزب أو حركة أو جهة من تشكيلات الثورة فأنت ضد الثورة حتما.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران