كتاب وأراء

آخر الوطنيين النبلاء

لا يبدو أن المعضلة السورية ستنتهي وأحد من رجالات سوريا النبلاء على قيد الحياة، يتوالى موت السوريين يوميا، فمن لم يمت بالقصف والتفجير والذبح والجوع والبرد مات من القهر ومن الخيبة والإحساس بالعجز، وبهذا الموت المعمم تزداد خسارات سوريا يوما بعد يوم، ويزداد فقدان الأمل بأن يبقى لسوريا من يستطيع إنقاذها من الخراب الذي يعيث فيها، حسين العودات السياسي والمفكر والصحفي النبيل والرصين كان آخر الراحلين، قلة من السوريين لا تعرف حسين العودات، من لا يعرفه سياسيا يعرفه كاتبا وصحفيا ومن لا يعرفه كاتبا يعرفه مدرسا في الجامعة، ومن لا يعرفه مدرسا يعرفه كمثقف ومؤسس لدار نشر مشهورة في دمشق، كان حسين العودات، ابن حوران، أحد المناضلين السياسيين المعروفين منذ ما قبل الثورة بسنوات طويلة، نادى بالإصلاح السياسي والاقتصادي في الوقت الذي كانت فيه المطالبة بشيء كهذا تشبه الخيانة، وطالب بتفعيل دور المجتمع المدني وكان اشتغاله واضحا في هذا المجال، حيث كان مكتبه في وسط دمشق بعد تأسيسه لدار النشر، تشبه منتدى ثقافيا وفكريا، ورغم محاولات النظام استمالته عبر إغرائه بالمناصب الرسمية إلا أنه آثر أن ينأى بنفسه عن الفساد الذي كان يراه معششا في أركان النظام ومنتقلا إلى المجتمع السوري عبر القضاء والتعليم والثقافة والاقتصاد مكتفيا بدوره كسياسي معارض ومثقف نقدي وكاتب في الشأن الاجتماعي والثقافي السياسي، وهو ما جعله أول المنخرطين في لجان إحياء المجتمع المدني التي تشكلت في سوريا في أول الألفية الثانية بعد استلام بشار الأسد للحكم، حيث يتذكر غالبية السوريين تلك الفترة القصيرة التي سميت بربيع دمشق والتي كان يمكن لها أن تكون بداية للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا، لو أنه لم يتم وأدها من قبل الدولة العميقة التي حكمت سوريا حتى تاريخنا هذا، وهو ما جعله لدى انطلاقة الثورة السورية من أوائل المنخرطين بها والمطالبين بضرورة التغيير السلمي ومنع اعتماد الحل الأمني في التعامل مع المظاهرات كي لا يصل الوضع إلى منحى خطير يدمر البلد بمن فيها، وعند تسليح الثورة كان أول الرافضين لفكرة العسكرة والأسلمة التي دخلت إلى الثورة وأبنائها لمعرفته العميقة بتركيبة النظام السوري وتحالفاته الإقليمية والدولية، وبعد وصول الحالة السورية إلى عنق الزجاجة ظل حسين العودات أحد القلائل من رعيل المعارضين الأوائل مؤمنا بالحل السياسي كمخرج وحيد للأزمة السورية وهو ما دفعه للبقاء في دمشق متعرضا لكل ما يمكن أن يتعرض له الآخرون، رغم سني عمره الطويلة ومرضه الذي اشتد عليه مؤخرا.



بقلم : رشا عمران

رشا عمران