كتاب وأراء

هل السيـــاسة سبب تدمير الاقتصاد ؟

في يناير عام 2013 (أي منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام) نشرت مقالة في جريدة الأهرام المصرية بعنوان «العزيمة السياسية مدخل لحل الأزمة الاقتصادية». حاولت أن أشرح في هذا المقال ما يعرف بالنظرية السيكولوجية لتفسير التقلبات الاقتصادية ومؤداها أنه إذا توقع أو تنبأ غالبية المواطنين بظاهرة اقتصادية معينة مثل التضخم أو الكساد أو البطالة وتصرفوا في حياتهم اليومية على هذا الأساس فإنهم دون أن يدروا سيجعلون من هذه الظواهر حقيقة على أرض الواقع وستحقق هذه النبوءة نفسها لا محالة.
فعلى سبيل المثال إذا توقع غالبية المواطنين ارتفاع أسعار بعض السلع فإنهم سيقبلون على شراء المزيد منها الآن، وحتى الذي ليس بحاجة إليها فقد يقوم بشرائها وتخزينها لربما يحتاج إليها في المستقبل (زيادة الطلب) مما سيرفع السعر. أيضا منتجو هذه السلع سيحجمون عن عرضها في الوقت الحالي وسيرغبون في عرضها فقط بعد ارتفاع سعرها. بل أن الوسطاء يمكن أن يشتروها ويقوموا بتخزينها أيضا أملا في أن يحصلوا على ربح سهل حين يرتفع سعرها (يقل العرض) وهذا أيضا سيرفع السعر. وهكذا مجرد توقع الغالبية بظاهرة اقتصادية معينة والعمل على تجنب أضرارها أو الاستفادة من مزاياها سيجعل من هذه الظاهرة حقيقة واقعة.
ومن ثم حتى تتم معالجة هذه الظاهرة لابد من القائمين على الأمر محاولة تغيير هذه التوقعات ومخالفاتها ويكفي أن تعتقد نسبة كبيرة وليس كل المواطنين بتوقعات معاكسة أو مخالفة حتى يتم تقليص حجم التوقع العام وتلاشي هذه التوقعات بعضها البعض.
والعامل الأساسي في خلق حالة توقع عامة هو المناخ السياسي السائد في البلد. لذا إذا أراد الساسة والقائمون على شؤون البلاد الاقتصادية تغيير أية توقعات عامة عليهم بالاتفاق والتوحد من أجل إصدار إشارات منسقة ومتفق عليها تمكن غالبية المواطنين من أخذها بمحمل الجدية ومن ثم تساعد على تكوين رأي اقتصادي عام في صالح ما تهدف إليه سياسة الدولة من استقرار اقتصادي ورفع لمعدلات النمو والتشغيل في البلد المعني.
لذا يمكن القول وبكثير من الثقة إنه إذا كان هناك تطاحن وتنازع بين السياسيين بحيث انقسموا على أنفسهم وأصبح لا هم لهم إلا القضاء على الآخر أو عزله أو نفيه أو حتى حبسه فإنه لا يمكن إرسال رسائل ثقة أو زرع بذور الطمأنينة بين جموع الشعب الذي لن يرى إلا حالات التشتت ولن يسمع إلا أصوات الخلافات وأحيانا الشكوى والأنين من الذين يتم إقصاؤهم. وهكذا ستسود حالة التشاؤم العام الذي تقول معه النظرية السيكولوجية لتفسير التقلبات الاقتصادية إن الاقتصاد لن يتحسن بل سينتقل من سيئ إلى أسوأ مع مرور الأيام.
هل سيقبل متشائم من الأوضاع الاقتصادية على الاستثمار في البلد مهما كانت الأسباب ومهما أخذ من حوافز ومساعدات مالية وعينية؟. الوضع الحالي في جميع دول الأزمات العربية من اليمن إلى مصر إلى العراق وليبيا وسوريا يشهد بأن الوضع الاقتصادي السيئ هو نتاج حالة الانقسام الحاد الذي بدأه السياسيون وأنه لن ينصلح إلا بالتوافق السياسي الذي يمكنه تغيير الحالة المزاجية والسيكولوجية لجموع المواطنين من تشاؤم إلى تفاؤل.
ولعل ما يزيد الأمور تعقيدا هو حالة التخبط وعدم الخبرة الاقتصادية البادية على الهيئات الحكومية القائمة على إدارة شؤون معظم إن لم يكن كل هذه البلاد. الهيئات الحكومية الموجودة حاليا في هذه البلاد تقوم بارتكاب أخطاء ومغالطات اقتصادية يمكن أن يتجنبها طلاب السنة الأولى في الجامعات العربية! عدم ثقة جموع المواطنين في خبرة وقدرة الهيئات الحكومية على تصريف الأمور كذلك انسياقها وانصياعها لأوامر وطلبات الجهات المانحة أو المقرضة- من دول أجنبية ومؤسسات عالمية- تدعم وتعضد من الحالة النفسية والسيكولوجية المتشائمة عند «غالبية» المواطنين ومن ثم تجعل الظواهر الاقتصادية السلبية من «تضخم وضعف معدل النمو بالإضافة إلى ارتفاع معدلات بطالة» نبوءة تحقق نفسها على أرض الواقع كما أسلفنا.
وهكذا تكون الإجابة على السؤال الوارد بعنوان المقال موجبة ولكن تحتاج لبعض التعديل، ليست السياسة كمفهوم مطلق هي المسؤولة وإنما السياسيون الأنانيون المتسلطون والفاسدون هم الذين يدمرون اقتصاد بلادهم في أثناء سعيهم لتحقيق مصالحهم الشخصية أو الحزبية الضيقة على حساب المصلحة العامة لجموع المواطنين.
بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي