كتاب وأراء

عار هذا العالم

بعد مضي عشرين عاما على مذبحة سربرنيتسا التي شهدتها البوسنة والهرسك في يوليو سنة 1995، والتي راح ضحيتها حوالي ثمانية آلاف شخص من مسلمي البوسنة والهرسك، غالبيتهم من الرجال والأطفال الذكور، تم القبض أخيرا على مرتكبها الجنرال راتكو ملاديتش، وسيقدم إلى المحكمة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، هذا يعني أن أرواح ضحاياه سترتاح أخيرا وتهدأ مع تحقيق العدالة، هذا يعني أيضا أن العدالة قد تتحقق يوما ما على هذه الأرض، وأنه ما من مجرم يمكنه أن يفلت من العقاب على ما ارتكبته يداه، وأن الدم البشري البريء لابد وأن يجف أخيرا ولابد لأصحابه وبواكيه من الاطمئنان، هل يعني هذا أن عالمنا عالم عادل؟ بديهي أن فكرة إحقاق الحق والعدالة فكرة مطمئنة جدا، كما أن الإيمان بالعدالة الأرضية يجعل ضحايا المذابح المرتكبة الآن والقادمة لاحقا في العالم كله، يشعرون بإنسانيتهم قليلا، مع كل ما تحمله هذه الفكرة من غرابة ومفارقة، إذ إن الحياة هي حق البشر جميعا، مثلما هو الأمان من حق جميع البشر، لكننا، للأسف، نحن لا نعيش في عالم فاضل، نحن نعيش في عالم تعتبر الجريمة فيه حدثا عاديا، يموت الآلاف يوميا في كل مكان من هذا العالم، بسبب جرائم الحرب والسياسة والاقتصاد، يموت مئات الأطفال يوميا بسبب المجاعات في الدول الفقيرة، الجوع أيضا جريمة من جرائم الحرب، يموت العشرات يوميا في البحر والغابات في طريقهم للهرب من الموت بحثا عن الأمان في دول العالم الأول، النزوح واللجوء أيضا جريمة من جرائم الحرب، يموت العشرات يوميا في سجون الأنظمة المستبدة بسبب الرأي، الاعتقال والتعذيب أيضا جريمة من جرائم الحرب، يقتل البشر بسبب شراهة شركات الأسلحة التي تفتعل حروبا في بلاد بائسة كي تحقق المزيد من الأرباح سنويا، مافيات السلاح في العالم هي المتحكمة بكل ما يحدث فيه، وهي أول من يرتكب جرائم الحروب، تصنّع أجهزة المخابرات الدولية أمراضا قاتلة تجرب على فقراء العالم، وتصنّع منظمات بأسماء مختلفة، وتجند فيها شبابا فاقدي الأمل، وتجعل منهم مجرمين يقتلون أنفسهم ويقتلون معهم مئات، بل آلاف الأبرياء، ولا أحد يسمي هذا جريمة حرب، أجل أيها السادة، نحن لا نعيش في عالم فاضل، لهذا يبدو القبض على مجرم كمثل راتكو ملاديتش حدثا مبهجا، تابعه وصفق له ملايين البشر، بينما الحق هو ألا يسمح لمن مثله أساسا بارتكاب جريمة كهذه، الحق، هو أن تتوقف الجرائم التي من هذا النوع، الحق، هو أن تكون العدالة البشرية هي القيمة الأولى في القيم الإنسانية الكبيرة، أما كان يمكن إيقاف ملاديتش لحظة بدئه بارتكاب مذبحته؟

بقلم : رشا عمران

رشا عمران