كتاب وأراء

رمضان كريم .. ولكن

يتحدث الضليعون في شؤون إنتاج الدراما الرمضانية، أن كلفة إنتاج المسلسلات الدرامية التي بدأت أولى حلقاتها تعرض الآن، قد بلغت ما يتجاوز الثلاثة مليارات دولار، موزعة بين الدراما المصرية والسورية والخليجية والمشتركة، لم يمر هذا الرقم المخيف مرور الكرام على المتابعين العرب، إذ امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بالنقد على هذا الترف المبالغ فيه لإنتاج أعمال درامية أقل ما قيل فيها أنها مفصومة عن الواقع العربي، إذ يعيش أكثر من نصف سكان العالم العربي تحت خط الفقر تماما، دون أن نتحدث عن ملايين اللاجئين والمهجرين، والذين يتعرضون للموت يوميا نتيجة القصف والتفجيرات والقتل المباشر، أو عن المعتقلات العربية التي باتت تشبه المدن المغلقة لكثرة نزلائها من مختلف الأطياف والأعمار، وعن المحاصرين حصار الجوع، وعن الأمراض القديمة التي عادت للظهور في أكثر من بلد عربي بسبب الحروب ونقص التغذية، وعن الملايين الذين يعيشون في مخيمات لا تملك أي شرط من الشروط الإنسانية، يشبههم في ذلك سكان أحياء الصفيح والعشوائيات في عواصم ومدن عربية كبرى، يقول المنتقدون أن نصف المبلغ الذي صرف على الإنتاج الدرامي لو أنه صرف على افتتاح مدارس أو مشافي في المناطق المنكوبة والفقيرة والمهمشة لكان أكثر ثوابا عند الله تعالى في هذا الشهر الفضيل، بينما يتحدث المدافعون والمبررون للإنتاج الدرامي الباهظ، أن هناك كثيرين يعملون في مجال الدراما، وليس فقط الممثلون والمخرجون وكتاب السيناريو، الذين يتقاضون أجورا خيالية، بل هناك عمال وتقنيون وفنيون، هؤلاء يعيشون وعائلاتهم من الموسم الدرامي الرمضاني، وبالتالي يجب أن تؤخذ حياتهم بعين الاعتبار، وبغض النظر عن الرأي والرأي الآخر بما يخص كلفة الإنتاج، فإن ثمة ماهو ملفت للنظر بما يخص الشهر الفضيل بدأ منذ زمن طويل، ويزداد وضوحا مع مرور الوقت، وهو تحول هذا الشهر من وقت يرتجى فيه الزهد والتقشف بالحياة والعودة إلى السكينة والعبادة الهادئة، إلى حالة سنوية ممتلئة بالصخب والتسابق على الاستعراض الإعلاني والإعلامي، إذ ليست الدراما هي فقط من يدخل هذا الماراثون السنوي، بل هناك برامج الطبخ اليومي، وهناك الخيم الرمضانية التي تقام فيها الحفلات اليومية، وهناك الكم الهائل من الإعلانات عن آخر منتجات الحلويات الرمضانية، بحيث يبدو الأمر وكأنما هناك اتفاق على تقديم كل ما يمكن من المغريات للفت أنظار المسلمين والعرب إلى هذا الشهر الفضيل، أو كأنما اصبح هذا الشهر مناسبة لتبييض أموال اصحاب الثروات الكبيرة، من مريدي الأنظمة المافياوية الحاكمة والجوقات المحيطة بهم، الأنظمة التي تمنع التنمية الحقيقية عن شعوبها، وتقدم لهم كل ماهو استهلاكي وعابر، بحيث خرج الشهر الفضيل تماما عن الغاية التي أرادها الله تعالى لعباده منه، ربما كان يمكن تبرير ذلك ماقبل السنوات الست الماضية، أما الآن، ومع كل ما يحدث في بلادنا، ومع الموت اليومي في هذه البلاد المنكوبة، الموت الذي لا يميز دينا عن آخر ولا جنسا عن آخر ولا جنسية عن أخرى، ومع الحروب الأهلية المعلنة والخفية، ومع انتشار الإرهاب المنظم، بدءا من إرهاب الأنظمة والدول وانتهاء بإرهاب المنظمات الجهادية، فإن رمضان كهذا الذي يفرضونه علينا، ليس أكثر من خراب مضاف على الخراب الذي نعيشه كعرب ومسلمين.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران