كتاب وأراء

رجل ليس جديرا بالنسيان!

ما نسيته، ولن.
مثله يخطر في البال في كل لحظة، بكل أريحية روحه، وصفاء وجدانه، وألمعية عقله.. بكل ذلك النهار الذي يسطع في رأسه.. بكل سيارته التي حولها إلى أرشيف يمشي بأربعة إطارات!
حبشي رشدي.
رفقة عمر في هذا الوطن، الذي صار لنا وطنا. رفقة عمر في (الوطن) الصحيفة منذ أن صرخت بأول مانشيت، قبل أكثر من اثنين وعشرين عاما.
الصحف- أي صحيفة- تصرخ في يوم ميلادها، تماما مثل المواليد.. وذلك هو أكسجين الحياة، إذ يدخل في الرئتين، لأول مرة.
مازلنا- أنا وهو وبقية عقد ميلاد الوطن- نتنفس اوكسجين الحياة. نتنفس الوطنين: هذا الذي تأخذ خريطته شكل الكف الممدودة بالإحسان، وتلك التي تخرج في كل صباح، بمانشيت طازج، لتمشى في عيون الناس!
كان قدره- صاحبي حبشي- أن ينهنه بالبكاء، إذ هو يخرج من المكان الذي صار مكان روحه وعقله، للمرة الأخيرة، قبل سنوات، وقد يمم بوجهه شطر وطنه. يومذاك أشفقتُ عليه، وكيانه كله ينهنه بالبكاء. الإنسان- أي إنسان- هو حبيب المكان الذي هو من روحه وعقله ووجدانه، وذكرياته.
أتخيله وهو هناك، في مكان ما في القاهرة.. يشيّش، أو في الطريق لأن يشيّش، وفي باله كله قهوة أم كلثوم- هنا في الدوحة- وأمامه كميات من الأوراق.. يقرأ ويكتب، ويمخمخ، ويدفع الحساب- خفية- للصحاب!
هو رجل كريم النفس بشكل خرافي..
كثير العطايا، في استحياء.
ما نسيته، ولن.. لكن رمضان (عمل فوكس) على صاحبي بشكل غريب!
كنا نأتي معا إلى الصحيفة في الرابعة، ويأخذني للإفطار في منزلي مع المغيب. ألح عليه، ويتأبى في ظرف: يقول لي: أنا لست صائما. سأشيش في أم كلثوم، ومتى ما خرجت أنت انده عليا!
كل تعاليم الديانات- وليست المسيحية وحدها- تتجسد في هذا الرجل.. سمح النفس والضمير: حبشي رشدي..
من لا يعرف له دينا، يظنه مسلما حقا: ليس بهماز ولا لماز، ولا مشاء بنميم. لا يحشر أنفه في شؤون الآخرين. عذب اللسان. دافئ الوجدان. طيب الروح. عالي النفس. يزيل الأذى من الطريق، ويصدق دائما بلمعة جذابة في فمه، ولا يمشى مرحا، على الإطلاق!
حبشي، رأيتُ فيه إسلاما.
أضاحكه: ياحبشي، والله إنت فاضل ليك الشهادة.. بس!
يضحك.. يقول لي: ياعكروت.. وانت تدير دائما للناس، خدك الأيسر، أيضا!
حبشي.. ياصاحبي، في هذا الشهر المبارك، أتذكرك- وأنا اللستُ ناسيك إطلاقا- أتذكرك بشدة.
كن - كما أنت دائما- طيبا، تفيض منك على الناس كل التعاليم الخيرة..
..... وشيّش ياصاحبي.. شيّش، وادفع للصحاب!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار