كتاب وأراء

«غاندي» و«رامبو»

توقفت السينما الأميركية عن المضي في إنتاج أجزاء إضافية من سلسلة الافلام المثيرة: «رامبو» التي أكسبت الممثل سلفستر ستالوني شهرة كبيرة، وجعلته في ذاكرة الملايين عبر الكرة الأرضية، وأسباب التوقف عن إنتاج هذه السلسلة التي يشتبك فيها الفن بالسياسة عديدة، ومنها الحاجة إلى دفن ملف الحرب الفيتنامية المؤلم جدا للذاكرة السياسية الأميركية، ومنها ايضا ان سلسلة افلام رامبو قد أتت أكلها في تأكيد فكرة ان العسكرية الحديثة في العالم لم تعد فقط جيوشا نظامية، كتلك التي تشاركت في دراما الحديد والنار بالحربين العالميتين الأولى والثانية، بل ان الجماعات المسلحة المدربة على حروب العصابات يمكن ان تحرز نتائج تفوق في دمارها حروب الجيوش النظامية، ويمكن تقويض دول ونظم بهذه الجماعات المسلحة.
ومن شباك نطل منه على عالمنا، وبالخصوص منطقتنا، سوف نتبين ان سينما «رامبو» انتجت بغزارة المعادل الاقليمي لـ «رامبو» الأميركي، وحببت لكثيرين فكرة القتال ومجابهة قوات عسكرية مجحفلة وجرارة بأسلحة خفيفة، وتكبيدها خسائر فادحة، فـ«رامبو» سكن خيال كثيرين، وصرنا نراه في مدن وعواصم عربية يمشي مشية رامبو، ويرتدي ملابس تطابق أو تشبه ملابسه
الفرد المقاتل بمواجهة جيش نظامي صار حلم يغري كثيرين في الشرق الاوسط وخارجه، مع الاختلاف في العقائد والايديولوجية والاسباب
الآن اختلفت المناخات، وتغيرت الاسباب، وربما أدركت السينما الأميركية فداحة ما كانت تنتجه، أو ربما هي أدركت ايضا ان اشاعة الرغبة في القتال الفردي مارد خرج من قمقم هوليويود الأميركية،
و لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا «بولييود» الهندية سوف تقتبس وتستنسخ فكرة أفلام «رامبو»، حتى ان الممثل الأميركي سلفستر ستالوني ما ان سمع عن النسخة الهندية المطورة من سلسلته حتى اسرع بالاعراب عن سعادته في رسالة بعث بها للمخرج الهندي الذي سيخرج سلسلة افلام: «رامبو» الهندي، ما يعني ان ستالون قد أهدى موافقته على «رامبو الهندي».
عودتنا السينما الهندية على عرض انماط عديدة ومتكررة للصراع بين الخير والشر، وفي ميراث السينما الهندية من الافلام التي تدور في هذا السياق ما تحفظه باعجاب الذاكرة العربية، كما ان للسينما الهندية تقاليدها العريقة التي ميزتها عن السينما الأميركية، فلم تعش السينما الهندية الا في جلبابها، ولم تسرق أو تقتبس الا القليل من روايات الآخرين، وظلت السينما الهندية ابنة ثقافتها وخصوصية بيئتها الاجتماعية، ولكن اقدامها على محاكاة «رامبو» الأميركي، على الرغم من ان هذه السلسلة الأميركية لم يحرز احد افلامها جائزة دولية شهيرة كالاوسكار أو غيره، هو نهج يحتاج إلى تفسير، فمجتمع «غاندي» الذي يؤثره العالم، ليس مجتمع «رامبو».
فاذا كانت أميركا قد انتجت «رامبو» ليكون أيقونة للمقاتل الأميركي، فلمن تنتج الهند ايقونتها، وضد من، وفي أي مسرح قتال، وفي أي ظروف، ولأي أسباب؟

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي