كتاب وأراء

الكعكة السورية الشهية

لا يبدو غريبا إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وأحزاب أخرى صغيرة، عن تشكيل نظام فيدرالي كردي في ما سمي «روج آفا» في الشمال السوري ويضم كوباني (أو عين العرب اسمها الذي يعرفه الجميع) في ريف حلب الشمالي، وعفرين في ريف حلب الغربي والحسكة، والمناطق التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية في الشمال، بين حلب والحسكة، فالإعلان عن فيدرالية روج آفا الذي رافقه الإعلان عن الاتفاق على تشكيل مجلس تأسيس للنظام ونظام رئاسي مشترك، لا يبدو غريبا في الوضع السوري الغرائبي، فرغم رفض الجميع، النظام السوري والمعارضة السورية والدول المعنية بالملف السوري، لهذه الخطوة، إلا أنه لم يحدث ما يمنع الإعلان عنها، شأنها شأن كل ما حدث سابقا في سوريا، فقد احتلت داعش مدن ومحافظات سورية وأعلنت قيام دولتها الإسلامية في الشام والعراق وأعلنت اسم الخليفة، وغيرت أسماء المدن التي احتلتها، واعترض الجميع دون أن يمنع اعتراضهم ما يحدث أو يوقفه، ولن تكون هناك مفاجأة فيما لو خطر لأي حزب أو تنظيم مسلح أن يعلن بعد اليوم عن تشكيل دولة جديدة في سوريا، رغم اعتراض الجميع وتصريحاتهم عن سوريا الموحدة الواحدة، غير أن هذه الاعتراضات، كما يتضح يوما بعد يوم، ليست سوى محاولات لذر الرماد في العيون لا أكثر، مثلما يتضح أن الجميع يبحث عن حصة، مباشرة أو عبر وسيط، من الكعكة السورية التي رغم كل ما حدث لها بقيت مغرية للنهش من قبل كثيرين، وبالعودة إلى الفيدرالية الكردية الوليدة، والتي قامت بقوة السلاح وبظرف سوي بالغ السوء والارتباك، كان يمكن رؤيتها بعين أخرى لو أن أكراد سوريا، الذين أعلنوا عنها، قد انتظروا بدء الحل السياسي في سوريا لطرح مشروعهم، فالفيدرالية قد تكون حلا مثاليا لسوريا بعد سنوات الحرب والدمار والانقسام، لكن لتتحقق بشكلها الأمثل، أو بالشكل الذي يمكن تطويره لاحقا، يجب أن تحاط بشروط زمنية ولوجستية وأخلاقية موضوعية، فالنظام الفيدرالي يجب أن يحظى بتوافق شعبي يتم عبر استفتاء لمكونات المجتمع كلها، ويوضع دستور فيدرالي ناظم لها ويراعي مصالح الجميع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا يحتاج في الحالة السورية، إلى عملية سلام شاملة، تبدأ بحل الميليشيات وسحب أسلحتها، وبعودة من يرغب من اللاجئين والمهجرين، وبالوقف الكامل لعمليات العنف بكل أشكالها، وإطلاق المعتقلين من كل السجون السورية والكشف عن مصير المختفين والمغيبين، ووضع البلد تحت سلطة وطنية متشكلة من غالبية مكونات المجتمع السوري وبإشراف دولي مباشر، وقتها يمكن طرح مشروع النظام الفيدرالي إن كان مقبولا به شعبيا أو غير مقبول، أما ما عدا ذلك، وبالطريقة التي تم بها الإعلان عن الفيدرالية الكردية، فهو ليس أكثر من وضع العوائق في طريق الحل السياسي الذي لا بد منه مهما طال الزمن، ووضع الجميع تحت سلطة الأمر الواقع، وهو أيضا ليس سوى استباق للحل السياسي الذي قد لا يأتي على هوى المسلحين ومموليهم، عدا عن كونه مثيرا لكل الكوامن العنصرية، المثارة أصلا، بفعل العنف اليومي، وهو ما يعني حروبا جديدة قادمة في الأرض السورية، فالسلاح المنتشر مع العصبيات القاتلة لن تكون نتيجته سوى حروب مديدة ومعممة تقضي على كل أثر للحياة في هذا البلد المنكوب.



بقلم : رشا عمران

رشا عمران