كتاب وأراء

مثال ضد الطغيان

منذ خمس سنوات تماما انطلقت، تلك الانتفاضة المذهلة، لم يكن أحد يظن يوما ما أن السوريين قادرون على الخروج من مخابئ خوفهم الطويل الذي كتم زفرات غضبهم واحتجاجهم طيلة عقود، لم يكن أحد ليصدق فرضية خروج السوريين في وجه نظام حكمهم بقوة الأمن والعسكرة، لكنهم فعلوها وخرجوا، وصرخوا في الشوارع والساحات والجامعات، اعتقلوا ونكل بهم وقتلوا وهجروا واقتحمت مناطقهم ودمرت بيوتهم ومورس عليهم ما لا يمارس على بشري أو على كائن حي، ومع ذلك استمروا بصراخهم، أزعج صراخهم سكان الكوكب الأرضي، فأرسل الكوكب لهم مرتزقة الدين والحروب، وأرسل لهم طائرات تقتلهم، وسكاكين تجز رؤوسهم ورؤوس أولادهم، ومتفجرات تنهي حياتهم مجتمعين، وتحالفت ضدهم دول بأكملها، وجيوش وتنظيمات، أساء لهم مثقفون عرب وغير عرب، لطخوا تاريخهم، وصموهم بالإرهاب والتخلف، ومع ذلك استمروا بصراخهم، مورست عليهم شتى أنواع الإبادة، واستمروا بصراخهم، رقص لموتهم إخوة لهم في الوطن واستمروا، باع قضيتهم الجميع، من كان يوما منهم، أو من ادعى شرف الانتماء لهم، أو من ادعى صداقتهم والتحالف مع قضيتهم، تاجر الجميع بهم وبدمائهم وبعذاباتهم واستمر صراخهم، أعادت الدول الكبرى ترتيب مصالحها على حسابهم، ارتفع منسوب الأرباح لشركات السلاح ومافياته بسبب ما يحدث لهم، ولم يتوقف صراخهم، عوقبوا بكل ما يمكن من عقاب، حوصروا بلقمة عيشهم، وبماء شربهم، وبحليب أطفالهم، وبدواء مرضاهم واستمروا بصراخهم، أخفي منهم عشرات الآلاف، وقتل منهم مئات الآلاف، وهجر منهم الملايين، شردوا وحوصروا بمخيمات تشبه الفضيحة، وخاطروا بعمق البحر ووحشة الغابات بحثا عن أمانهم واستمروا، وصل بعضهم إلى أقصى أقاصي الكرة الأرضية، ولم يصمتوا، لم يبق مكان في العالم إلا وأغلق في وجوههم، لم تبق قوة أمنية لم تجرب ما تعلمته من عنف لفظي وجسدي إلا وطبقته عليهم، ضاق بهم الإخوة قبل الأصدقاء، والأصدقاء قبل الأعداء، والأعداء أصبحوا كثرا إلى حد أنهم لا يعرفون من أين تأتيهم الطعنات، ومع ذلك أصروا على الحياة، ومع الحياة أصروا على المقاومة، ومع المقاومة أصروا على مطالبهم، اختلفوا وافترقوا وخون بعضهم البعض وحلم كل منهم بحلمه الخاص، لكنهم بعد خمسة أعوام عادوا واتفقوا على هدفهم الأول: سوريا لن تكون إلا دولة ديمقراطية موحدة لكل أبنائها، وهذا النظام راحل، ومعه سترحل كل التنظيمات التي ادعت عداءه ومارست سلوكا يتوافق على سلوكه بالإجرام والتسلط والاستبداد



بقلم : رشا عمران

رشا عمران