كتاب وأراء

بين الذات والآخر.. النقد الأصغر والنقد الأكبر

مع أن نقد الآخرين يأتي عادة مصحوباً بقدر كبير من الصخب والضجيج إلا أنه يبقى برغم ذلك النقد الأصغر. فنقد الآخر سهل مقدور عليه لأن الناس جبلت على أن تلاحظ بعضها أكثر ما أن تلاحظ نفسها. أما النقد الأكبر والأصعب فهو بلا شك نقد الذات. فنقد الآخرين قد يأتي على سبيل التسلية أو التهرب من محاسبة النفس والانشغال بمحاسبة الغير. هو استهلاك للوقت ودخول أحياناً في معارك جانبية ليست لها قيمة. أما نقد الذات فهو نقد أكبر لأنه أعلى درجات الشجاعة. فهو إظهار للقدرة على الاعتراف بالخطأ والإقرار بأن شيئاً ما لا بد أن يتغير. هو إعادة اكتشاف الإنسان أو الوطن لإرادته. هو قول الحق عن النفس حتى لو آلمها. هو النوع النادر من الكلام مع الذات حتى يرى المرء العيب في نفسه قبل أن يراه في غيره وألا يلتفت إلى القشة الصغيرة في عيون الآخرين قبل أن يشعر بالخشبة الكبيرة المنغمسة في عينه.
الأفراد والدول والأمم يمارسون بدرجات متفاوتة النقد الأصغر فيتكلمون بقسوة عن بعضهم البعض. نحن العرب مثلاً نسخر من السياسة والساسة في الغرب وننتقدهم بدرجات تفوق بمراحل قدرتنا على السخرية ونقد السياسة والساسة في بلادنا. في المقابل يسرف المستشرقون الغربيون في نقد بل وتشويه مجتمعاتنا وثقافتنا ونظمنا الاجتماعية العربية متناسين أن الحداثة التي أنتجتها بلدانهم لها تداعيات اجتماعية وثقافية سلبية تستوجب منهم نقداً عميقاً للذات قبل التعرض للآخرين.
لكن مساحة النقد الأكبر تبقى أوسع في المجتمعات الحرة المنفتحة عنها في المجتمعات الصامتة المقيدة. فإذا كان لديهم مستشرقون ينتقدوننا، إلا أن لديهم تيارات فكرية أخرى لا تغلق في وجهها الأبواب، تقدم قراءات مراجعة ونقداً ذاتياً عميقاً يخالف الخطاب السائد. فهم هناك يتكلمون بلا خوف أو تخويف. والمعروف أن نقد الذات لا يتطور إلا عندما يسمح بحرية الكلام. أما إذا كان الكلام مربوطا بمحاذير وسلاسل فلا يمكن لأي صوت مهما رفع شعار نقد الذات أن يقدم نقداً جوهرياً مؤثراً.
ونقد الذات المقصود هنا ليس نقد الذات الفردية. فكل إنسان حر في أن ينتقد أو لا ينتقد نفسه. إنما المقصود به نقد الذات الجماعية وهي التي لا يمكن اختزالها في فرد أو تحديدها بمرسوم. فهي ملك لكل المعنيين بالشأن العام. وبالتالي يحق لكل من يرى في نفسه قدرة على النقد ويرصد عيباً في الشأن العام أن يسلط الضوء عليه. خذ مثلاً رحلة ترامب الأخيرة إلى المنطقة. فالرجل مثّل مصالح الذات الجماعية الأميركية خير تمثيل، بالطبع بمعايير المواطن الأميركي. فقد باع أسلحة وعقد صفقات وخلق للأميركيين وظائف بعشرات الآلاف وجلب استثمارات بالمليارات. برغم هذا لم تتوقف حملات النقد الذاتي الأميركية له حتى لا يُتخذ نجاحه في الخارج ستاراً يخفي ما بدأ يتكشف من خيوط عن أزمة عميقة قد تعصف بإدارته على خلفية الصلات التي يتهم فريقه الرئاسي بأنه أقامها مع مسؤولين ودبلوماسيين وضباط مخابرات روس خلال الحملة الانتخابية.
في المقابل، وإحقاقاً للحق، لا يمكن للمرء أن يغفل وجود أشكال من النقد الذاتي العربي للزيارة تساءلت عن المنطق الذي عقدت به الصفقات والتحالفات الجديدة مع الولايات المتحدة. لكن نقدها يبقى في النهاية بضع مقالات متناثرة وتعليقات ساخرة لا تشكل حملات كبرى أو تيارات مؤسسية يستحيل أن يعصف بها غضب حاكم أو يخرسها مسؤول.
ويقف خلف ضعف نصيب العرب من النقد الأكبر عوامل عديدة أبرزها العامل الثقافي. فكراهية نقد الذات من موروثات ثقافة قديمة تعشق مجاملة النفس والفخر المبالغ فيه بالأنا. ثقافة تمجد شعراء اشتهروا بالهجاء والتجريح لكن فقط في الآخرين. كذلك هناك هيمنة لثقافة الاستسهال والهرب من سؤال الذات إلى مهاجمة الآخرين. فضلاً عن قيم ثقافية أخرى معيبة مثل المركزية المبالغ فيها والترويج بأننا الأمة التي صنعت التاريخ كله والتي ينظر إليها العالم كله ويتوقف عليها مصير الكون كله.
ولا تنقص أهمية النقد الأكبر من قيمة النقد الأصغر. على النقيض تماماً. فنحن بحاجة مثلاً لنقد أميركا وأوروبا وكل آخر أينما كان وأياً كان طالما أن سلوكه يمس أحوالنا. فذلك نقد مهم ينبه إلى ما قد يُحاك لنا. لكن نقد الآخرين لن تكون له قيمة ما لم تعرف الذات أولاً أين تقف وكيف تقف ومع من تقف. فإذا كانت الذات العربية إلى الآن تقف مع الآخر ضد نفسها وتصطف خلف انحيازات غير التي تنتظرها القطاعات الجماهيرية الأوسع وتقدم بسخاء للغير ما لا تقدمه لذاتها، فهذا كله إنما يؤكد أنها لا تستطيع لا ممارسة النقد الأصغر ولا النقد الأكبر وهذا لا يطمئن أبداً.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات