كتاب وأراء

الحكمة الطاوية

الهدي، أو الطاوية، هذه التعاليم الأخلاقية التي تمتلك كل ما تحتاجه من عمق، وتاريخ، وغموض، ظهرت أثناء حكم سلالة تشو بشكلها الفلسفي المجرد، ثم طورت بعد ذلك بخمسمائة سنة أثناء حكم سلالة هان لتأخذ شكل تعاليم دينية، ولتأخذ اسمها التي عرفت به حتى الآن «الطاوية». ومرت بمراحل مختلفة وانتقالات فكرية طويلة حتى استقرت على شكلها النهائي في التعليمات التي وضعها «لاو تسي» والذي كان معاصرا لحكيم المدرسة الصينية الأخرى «كونفوشيوس».
الغريب أن التعاليم الطاوية والتعاليم الكونفوشيوسية، ومع أنهما موضوعان من قبل أشخاص مختلفين، وفي ظروف فكرية واجتماعية مختلفة، إلا أنهما يظهران مكملان لبعضهما البعض، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، فبينما تهتم الطاوية بالجانب الروحي للإنسان، تكمل الكونفوشيوسية هذا النقص وتهتم بالجوانب السلوكية والعملية اليومية. والمعلم الأكبر كونفوشيوس نفسه اعترف بأنه ينتمي إلى الطاوية القديمة. لكن ما هي أهم تعاليم هذه الطاوية بشكلها الأكثر تبسيطا، إنها تتمثل في: اقبل ما أمامك، لا ترغب في أن يكون الحال غير ما هو عليه. ادرس قانون الطبيعة والأشياء، واعمل طبقا لهذا القانون، ولا تعمل ضده. أية محاولة للتغيير تستثير المقاومة. الطبيعة تقدم كل شيء من دون أن تنتظر شكرا أو أجرا. هي تقدم عطاءها للجميع من دون تفرقة. لذلك دعنا نقابل الجميع بوجه واحد، ونعامل كل الناس بالمساواة. إذا أمعنا النظر، لوجدنا أن العمل ينجز ببراعة وسرعة أكثر لو توقفنا عن تعمد المحاولة، وتوقفنا عن أن نبذل من أجل الحصول على الأشياء، جهدا أزيد من اللازم، وتوقفنا أيضا عن انتظار النتائج وتوقعها. في العقل الساكن المفتوح سوف تنعكس الحقيقة. حينئذ نستطيع تذوق المعنى الحقيقي للعالم، الذي يتحقق التناغم فيه من خلال دمج «الين» و«اليانج». والين هو الجوهر الأنثوي السالب في الطبيعة، والذي يتبدى في الظلمة والبرودة والنداوة. ويتحد مع اليانج الذكورة فتخرج إلى الوجود جميع الأشياء. أن تفهم يعني أن تخضع. أننا نخدم من وما يقف أمامنا من دون تفرقة. ومن دون أدنى تفكير في أنفسنا. إن التي، أي الفضيلة، أو القوة تكمن في التيو، أي القانون الطبيعي».
الآن وبالتأمل في هذه التعاليم أو معظمها نجدها تحيلنا مباشرة إلى معرفتنا الدينية الإسلامية، وأنا لا أجد هذا بعيدا عن الواقع أو في حكم الاستحالة، إذا يقول تعالى «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ» ويقول سبحانه«وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ». لا نعرف ما إن كانت هذه التعاليم منبعها إلهي أم لا، لكننا نقف مندهشين أمام هذا التعليل الطاوي في الخلق والقائم على المزاوجة، أو ما يطلق عليه ذكري وأنثوي، متضادان، متحدان (الين YIN الأنثوي واليانغ YANG الذكري)، وبين قوله تعالى: «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ». إن مثل هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد بحث وقيام متخصصين بدراسة، ليس الطاوية فحسب، ولكن ديانات وتعليمات أخلاقية أخرى منتشرة بين أمم الأرض، ومحاولة بحث عن أوجه تقاطعها مع التعاليم الدينية السماوية.
في النهاية أود إضافة مجموعة من الحكم والتعاليم الطاوية، مقتبسة، مثل بقية الاقتباسات في هذا المقال عن كتاب: لوتسو كتاب الطاو والفضيلة، الصادر عن دار الكرمة، والتي تبين مدى الحكمة الهائلة التي صيغت بها هذه التعليمات:
«الكلمات الكثيرة تعني قليلا»، «توقف مبكرا قبل أن يفيض الكيل»، «إذا أردت يوما أن تنصح حاكما على طريق الطاو، انصحه بألا يستخدم القوة لفتح الكون، فهذا لن يخلف إلا المقاومة»، «افعل ما يجب عليك أن تفعله، ولكن أبدا لا تستخدم قوتك»، «معرفة الآخرين حكمة، معرفة النفس استنارة»، «التعليم بلا كلمات، والعمل بلا فعل، أشياء لا يقدر على فهمها إلا القليل من الناس».

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد