كتاب وأراء

رمضان هدية الله للمسلمين

عندما أراد الله أن يكرم عباده الذين آمنوا برسالته الخالدة في القرآن، وبمحمد خاتم الأنبياء والرسل، اختار سبحانه وتعالى أن يكون هذا التكريم في شهر كامل، يقترب المسلمون فيه أكثر من خالقهم، ويقترب فيه الخالق سبحانه من عباده، ويكون معهم ليل نهار، وهم يعربون عن حبهم لله وطاعتهم لأمره فيمتنعون عن الطعام والشراب وعن اللغو، ويتقربون لله بالطاعات الصلوات والدعاء وبقراءة القرآن وبالكرم في تقديم الصدقات وإعانة المحتاجين من ذوي القربى واليتامى والمساكين.
ورمضان هدية عظيمة من الخالق سبحانه، فهو شهر الله كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه تقيد الشياطين، وترفع الأعمال، ويغفر الله الذنوب للمستغفرين الصادقين، ومن مات منهم في هذا الشهر أعتقه الله من النار وفيه ليلة خير من ألف شهر، فهل ينتظر المؤمن من ربه هدية أعظم من هذه الهدايا.
ورمضان في مظهره الاجتماعي يجعل المسلمين في مظهر أسرة عظيمة من مئات الملايين تنتشر في جوانب الأرض وتقترن شعائرها الدينية كل يوم بأكثر ما يمس الإنسان في مقومات حياته وهو الطعام والشراب، ويعيش المسلمون كأسرة واحدة فعلا. يمتنعون عن الطعام والشراب ويبدأون الصوم في وقت واحد ويؤدون الصلوات في أوقات موحدة ويحق لهم أن ينهوا صيامهم في وقت واحد، ويضيف الكاتب الكبير العقاد إلى ذلك أن الفرد المسلم يستفيد خيرا من كل ذلك في حياته الروحية والخلقية سواء ممارسة فضيلة ضبط النفس أو في تقوية العزيمة والفكاك من أسر العادات وتطويع الجسد لدواعي العقل والروح. ورمضان هو الذي يعطي المسلم الفرصة لممارسة هذه الفضائل واكتسابها بعد ذلك مدى الحياة.. ويستدل العقاد على ذلك بأن الناس- حتى من غير المسلمين- عندما يحتاجون إلى تربية اجتماعية قوية أو تربية فردية عالية فلا سبيل لهم إلا بترويض الجسد وتعرضه لنظام غير الذي نشأ عليه، وكذلك توضع النظم لإعداد الجيوش وكذلك تربية الصفوة من الناس من الملوك والأمراء وأمثالهم. وأعلى غاية للنفس الإنسانية يحققها الإنسان بعد رياضة النفس على التضحية والفداء وتحمل المشاق من أجل السمو الروحى واكتمال إنسانية الإنسان. وكل جماعة بشرية لها عقيدة دينية لابد أن تكون لهذه العقيدة شعائر، وليس في الشعائر ما يفوق الصيام لتهذيب الروح ولتحقيق التسامي والتعالي على متطلبات الجسد.
ومع ذلك فإن مراكز الأبحاث الطبية قد توصلت إلى أن الصيام علاج للجسم والنفس، وفي أحدث بحث عن فوائد الصيام بإشراف الأستاذين آلام كوت وجيروم يوجين، حصرا فوائد الصيام للإنسان في 27 فائدة منها تحسين حالة الجسم العامة، وتحسين الحالة العقلية والمزاجية للصائم، وعطاء فترة للراحة للجسم ليتخلص من المخلفات والسموم، وفضلا عن ذلك فإن الصيام يساعد على ضبط الدم وخفض الكولسترول، ويقلل التدخين بآثاره الضارة، ويزيد الطاقة، ويساعد على إزالة التوتر، وينظم عمل المعدة والأمعاء، وينشط الذهن والعمليات العقلية، ويساعد على احترام الذات، وعلى المشاركة الوجدانية مع الفقراء، وعلى ممارسة ضبط النفس والقدرة على التحكم الذاتي، وفوق ذلك فإن الصيام يؤدى إلى إبطاء شيخوخة الخلايا.
وفي معهد موسكو للعلاج النفسي بدأ البروفيسور نيكولاييف علاج بعض الأمراض النفسية، وسجل نتائج هذا الأسلوب أن المرضى عادوا إلى حياتهم بلا أزمات أو أعراض مرضية بعد اتباع نظام غذائي يعتمد على الصوم، ونصح سكان المناطق المزدحمة المعرضين لعوادم السيارات السامة ونقص الأكسجين وإلى عوادم المصانع والتلوث الجوي عموما بأن يمارسوا الصيام لأنه ضروري لاستعادة التوازن إلى أجسامهم وعقولهم.
وسبحان الله الذي يهدي لعباده شهرا يخرجون منه بخير كثير، والله العليم الخبير أعلم بما فيه الخير والمصلحة لعباده «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير». (الملك – الآية 14).

بقلم : رجب البنا

رجب البنا