كتاب وأراء

حلب.. ما قيمة الهدنة بعد المجزرة؟

ليس مستبعدا أن يتمكن الوسطاء والسماسرة الدوليون من وضع حد للمذبحة في حلب.كيري لم يقصر تحدث بالموضوع مع لافروف، والأخير وعد خيرا.

بان كي مون وبعد أيام من القصف الوحشي، دعا إلى التهدئة من جديد.

وزراء خارجية الدول الكبرى كانوا قد خططوا لاجتماع لبحث الوضع المتأزم في حلب، لكن قد لا يجدون مبررا للقاء إذا ما تم التوصل لاتفاق هدنة.

السيناريو الرهيب ذاته يتكرر في كل أرجاء سورية؛ مدينة مدينة، وبلدة بلدة.

تقع المذبحة، يأخذ القتلة الوقت الكافي لإنجاز المهمة، ثم يتدخل المجتمع الدولي لوقف المأساة.

أيام طوال بلياليها، والطائرات تقصف الأحياء السكنية بوحشية، مشاهد لا نحتمل رؤيتها، فكيف احتمل الأبرياء تحت وابل النيران العيش معها؟! أطفال بعمر الورود، نساء وشيوخ، وفتية عاشوا وماتوا تحت الركام. المستشفيات لم تسلم من القصف، ولا دور الحضانة.

المجتمع الدولي ماكر وخداع، يساوم السوريين على أرواحهم؛ هنا هدنة، وهناك حرب مفتوحة.

باتت سورية مقسمة إلى مربعات، يتلاعب فيها رعاة الحل السلمي، إن رغبوا يمنحوك الحياة في إدلب، وإن اقتضت مصالحهم غير ذلك أذاقوك الموت في حلب. في ريف دمشق يتعين على السوري أن يحترم الهدنة مع النظام، حتى وإن كان شقيقه في حلب يقضي بصاروخ من طائرات النظام.

أرواح البشر باتت بيد بضعة دبلوماسيين يتحلقون حول طاولة في جنيف؛ تقتل حلب وتسفك دماء أطفالها؟ ليكن، المهم أن يعود المتفاوضون إلى طاولة المباحثات، وتستمر المهزلة جولات وجولات.

الجانب الإنساني من المأساة السورية، لم يعد له ذكر، لعبة الساسة تتقدم على كل ماعداها. وهذا ما يفضله النظام السوري، فاللعبة مفصلة حسب مزاجه؛ يقتل متى شاء، ويأخذ استراحة، يعود بعدها للميدان مرة ثانية وعاشرة.

مجزرة قبل كل جولة مفاوضات، ومجزرة بعدها، وتستمر الحكاية، وفود تغادر ووفود تسافر إلى جنيف. المهم أن تبقى ماكينة الدبلوماسية تعمل، يموت من يموت، ويتشرد من يتشرد.

قد تشهد حلب هدنة، هذا صحيح، لكن ماذا عن مئات الأبرياء الذين قضوا تحت الركام؟ الآلاف الذين تشردوا، وتهدمت بيوتهم، وفقدوا أعزاء عليهم؟ ما قيمة الهدنة بالنسبة لهم؟ وماذا تساوي أصلا بعدما خسروا حياتهم؟ هدنة مع الضحايا؟ هل يبرم القاتل صلحا مع القتيل، أين صارت من قبل؟!

والسؤال يكبر ويعبر كل شبر في سورية، من يرد لربع مليون ضحية، ومليون معاق، وعشرة ملايين مهجر ونازح حقوقهم؟

ربما بعد سنين يعود الهدوء لسورية، ويعمر أهلها ما تهدم من بيوت ومرافق عامة، لكن أنهر الدم التي سالت من يقدر على نسيانها؟

وأنت تتابع مشاهد الموت المروع في حلب،لا تستطيع أن تتخيل سورية بعدها، ماذا تبقى من البشر والحجر يدلك على سورية؟ مقابر جماعية، وملايين النازحين، وخرائط مقترحة تمزق البلد الواحد إلى كانتونات طائفية وإثنية، لا رابط بينها.

ماذا تبقى من حلب بعد قصف حول أحيائها إلى ركام؟ إلى أين سيعود المهجرون؟

مأساة سورية تجاوزت حد الاحتمال، وحد الحل.

حلب لن تكون آخر المجازر، غدا وبعد أن يعود المتفاوضون من جنيف، ستغير الطائرات على مدينة غيرها؛ حمص حماة إدلب، نعرف، المؤكد أن مزيدا من الأبرياء الأحياء على موعد مع الموت.

دوامة عبثية لا تنتهي، وقودها بشر من دم ولحم، قضى في أتونها الملايين، موتا وتشردا وضياعا.

وكل ذلك لم يكف المجتمع الدولي، ليقف ويقول، كفى.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان