كتاب وأراء

بقايا الهزيمة النفسية.. من حرب يونيو 67

في أدبيات حرب 5 يونيو 1967 هناك شق كبير يتعلق بالجوانب النفسية لا يقل أهمية بالنسبة لإسرائيل عن الجوانب العسكرية. ومن عاش أحداث تلك الفترة يقف عند عديد الشواهد على حرب الدعاية الإسرائيلية التي سبقت الحرب العسكرية واستمرت عقب احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية وكان هدفها هزيمة العرب نفسيا قبل هزيمتهم عسكريا. واليوم وبعد مرور 50 عاما على هذه الحرب تحقق لإسرائيل نجاحا على صعيد الحرب النفسية ضد العرب أكبر بكثير مما كانت تتوقعه وفاق ما كان يدور في تفكير قادتها وقتها على هذا الصعيد.
فقد كان الهدف الرئيس آنذاك هو إظهار العرب على أنهم أمة عاجزة عن فعل أي شيء جاد، هي داعية كلام لا صاحبة فعل، ومنقسمة إلى حد كبير من الداخل على عكس ما يبدو ظاهريا بأنها أمة متماسكة ومتحدة وقادرة على العمل المشترك. كما أنها أمة عنصرية معادية للسامية، لا تؤمن بالسلام وداعية حرب دائما، ومتخلفة سياسيا قبل أن تكون متخلفة اقتصاديا بينما إسرائيل واحة للديمقراطية ومزدهرة اقتصاديا.
وقد نجح الانتصار الإسرائيلي العسكري في الحرب ذات الأيام الستة فقط، في ترسيخ هذه الصورة السيئة عن العرب التي صنعتها بحرفية أجهزة الدعاية الإسرائيلية.
والمؤكد أن روح المقاومة التي دبت في شرايين العرب بعد هذه الحرب، كان لها دور مؤثر بالفعل في العمل على تجاوز الهزيمة، والمؤكد أيضا أن لا أحد يقلل من شأن التغيير العظيم الذي أحدثته حرب 1973 في تصويب معادلة القوة بين العرب وإسرائيل، ولكن ما لا يمكن إغفاله أن الجولان لا تزال محتلة والضفة الغربية لم تعد للأردن، والمؤكد أيضا أن الوضع العربي شهد تحسنا ملحوظا على صعيد العمل العربي المشترك بعد الانتصار في هذه الحرب وحتى اتفاقيات كامب ديفيد 1979.
وبرغم هذا وذاك، فإن الشق الثاني من معادلة القوة بين العرب وإسرائيل أي الجانب النفسي لا يزال يعمل لصالح إسرائيل ويفت من عضد العرب يوما بعد الآخر وكأن نصف قرن من الزمان لم يكن كافيا لتغيير هذه الحالة. والقصد أن ما تعيشه المنطقة العربية اليوم بعد مرور كل هذه السنوات الطويلة ليس منبت الصلة بما حدث في حرب 1967 من هزيمة نفسية للعرب.
المشهد العربي الراهن بكل ما فيه من انقسام وحروب متبادلة بالوكالة لم يكن قطعا في حسابات إسرائيل عندما شنت حرب 67 وإن كانت تتمناه بالطبع، ولكنه ليس منبت الصلة بها، بل هو من تداعيات الهزيمة على مختلف الأصعدة التي أصابت الجسد العربي في مقتل، والتي لم يبرأ منها حتى اليوم. لقد نشأت بعد هذه الحرب نظم سياسية عربية رفعت رايات القومية والتقدمية والمقاومة لإسرائيل ولكنها تخاصمت مع بعضها البعض ومع غيرها من النظم العربية ولم تنجح في أي من هذه الشعارات.
وبينما كانت الهزيمة قد أحدثت شرخا في العلاقة بين الشعوب وأنظمتها وقت الهزيمة ترتب عليه الافتقاد إلى المصداقية في السياسات حتى يومنا هذا، تعمق هذا الوضع بدرجة أكثر حدة مع مرور السنين بسبب الإخفاق المتواصل في هذه السياسات، ولم يكن مفاجئا في ظل هذا المناخ أن يتحرر التطرف من عقاله ويفرز ما أفرزه من إرهاب، وأن تتفتت المنطقة بأيدي أبنائها. ولم يكن مفاجئا أن تستمر مراكز الأبحاث الغربية وصناع القرار على مواقفهم المؤيدة لإسرائيل على طول الخط، لأن ما كان يجرى على أرض الواقع العربي من ممارسات كان بمثابة إعادة إنتاج للهزيمة التي حدثت في 67. والملفت أن هذه النظم ذاتها هي التي تدفع اليوم الثمن الأكبر لفاتورة الهزيمة. أما والأمر كذلك فلم تعد إسرائيل في حاجة لمزيد من الجهد حتى تبقى على خلل معادلة القوة بينها وبين العرب لصالحها، لأن تداعيات هزيمة 67 لا تزال تفعل أثرها.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد