كتاب وأراء

الخطر النووي يدق أبواب العالم

بعيداً عن الحروب المحلية والصراعات الإقليمية، هناك تهديد يشمل العالم كله، يتمثل هذا التهديد في السلاح النووي.
في شهر أكتوبر (2016)، أقرت اللجنة الأولى في الجمعية العامة للأمم المتحدة، المسؤولة عن السلام والاستقرار العالميين، عقد مؤتمر دولي هذا العام (2017) لإقرار آلية تفرض بموجبها إجراءات تحرم السلاح النووي تمهيداً لإلغائه والتخلص منه نهائياً.
وفي ديسمبر، أقرت الجمعية العام هذا القرار بأغلبية 113 صوتاً ومعارضة 35 وامتناع 13 عن التصويت.
بين الدول المعارضة تسع دول تملك ترسانات نووية، هذه الدول هي: الولايات المتحدة، روسيا، فرنسا، بريطانيا، الصين، إسرائيل، الهند، باكستان، وكوريا الشمالية. وإذا كانت معارضتها «مفهومة» فكيف تفسر معارضة 26 دولة أخرى للقرار؟. وما معنى امتناع 13 دولة عن التصويت؟. هل أن هذه الدول في طريقها أيضاً إلى أن تصبح دولاً نووية؟! وماذا يحلّ بالعالم إذا تحقق ذلك فعلاً؟.
من هنا السؤال: هل تستطيع دول العالم التي تشكل الأكثرية الساحقة من أهل الأرض، أن تفرض على الدول النووية وعلى الدول الطامحة بأن تكون نووية، قراراً قابلاً للتنفيذ بإلغاء وبتصفية السلاح النووي؟.
لم تنطلق الحملة الدولية ضد السلاح النووي في عام 2016. لقد بدأت مع إنشاء منظمة الأمم المتحدة. ففي يناير 1946، وفي أول قرار اتخذته المنظمة، دعت إلى وضع خطة لإزالة الأسلحة النووية من الترسانات العسكرية.
ومن اللافت أن هذا القرار اتخذ بتوصية قدمها الاتحاد السوفياتي، وعرفت بتوصية غروميكو (وزير الخارجية السوفياتي).
في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تملك هذا السلاح. وقد استعملته فعلاً في اليابان (ناجازاكي وهيروشيما).
لم توافق الولايات المتحدة على مشروع القرار وتمكنت من إجهاض المحاولة الدولية، اعتقاداً منها بأنها سوف تبقى قادرة وحدها على احتكار السلاح النووي. ولكنها فشلت في ذلك. وها هي اليوم تبدي قلقاً جدياً على أمنها من السلاح النووي الروسي.. ومن السلاح النووي الكوري الشمالي.
ومنذ أن تمكنت الولايات المتحدة من إنتاج هذا السلاح التدميري الرهيب كانت تدرك خطره على الإنسانية كلها. حتى أن وزير الدفاع الأميركي في عام 1945 هنري سيمسون وجه إلى الرئيس هاري ترومان رسالة قال فيها: «إن المقارنة بين التقدم العلمي والواقع الأخلاقي والقيمي يضع العالم تحت رحمة هذا السلاح».
وذهب في رسالته إلى أبعد من مجرد التلميح إلى الخطر، وقال: «إن الحضارة الحديثة قد تدمَّر كلها».
حتى أن علماء الذرة أنفسهم لم يكتفوا بالتحذير من خطورة استعمال السلاح النووي، ولكنهم أبدوا ندماً على المساهمة في إنتاجه.. ولكن بعد فوات الأوان. فالترسانات النووية التي تملكها الدول التسع اليوم كافية لتدمير العالم أكثر من تسع مرات.
انطلاقاً من إدراك هذا الخطر الماحق الذي يهدد الإنسانية كلها، حاولت الأمم المتحدة مبكراً التحرك باتجاه وقف الإنتاج.. ووقف الانتشار ولكن من دون نتيجة. ففي شهر نوفمبر من عام 1961 أعلنت الجمعية العامة «أن كل دولة تستخدم السلاح النووي تعتبر دولة خارجة على القانون الدولي، وأنها ترتكب بذلك جريمة ضد الإنسانية وضد الحضارة».
وفي يوليو عام 1996 أصدرت محكمة العدل الدولية قراراً قضائياً يعتبر استخدام السلاح النووي انتهاكاً للقانون الدولي الذي يتعلق بالصراعات المسلحة وانتهاكاً لقواعد وأسس القانون الإنساني.
كما دعت المحكمة إلى العمل من أجل تحقيق إلغاء كامل للسلاح النووي التزاماً بنص وروح القانون الدولي. ولكن هذا الصوت القانوني أيضاً ذهب أدراج الرياح.
مع ذلك حققت هذه المبادرات والمواقف شيئاً من الإيجابية، وذلك عندما اضطرت الدول التي تملك السلاح النووي في ذلك الوقت (وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي) إلى الدخول في مفاوضات ثنائية أدت إلى التوصل إلى اتفاقية منع انتشار السلاح النووي والتي وضعت موضع التنفيذ في عام 1970.
ولكن النتائج العملية جاءت على العكس من ذلك. فبعد عام 1970 انضمت الهند وباكستان وكوريا الشمالية إلى قائمة الدول النووية.
ولم تنضم إلى الاتفاقية فرنسا والصين إلا بعد عشرين عاماً، أي حتى عام 1992، ولم توقع عليها حتى الآن لا الهند ولا باكستان. أما إسرائيل التي يعرف العالم كله أنها تملك ترسانة كبيرة من هذا السلاح التدميري الفتاك، فأنها تلوذ بالصمت وتختبئ وراء مظلة التجاهل الأميركي– الروسي المشترك!
إن العالم المهموم عن حق بظاهرة الإرهاب التدميري وبكيفية القضاء عليه واستئصاله من جذوره، لا يستطيع أن يتغافل عن الخطر التدميري الشامل المتمثل في ظاهرة التسلح النووي.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك