كتاب وأراء

النــاتــو العــربي وهـــــم أم حقيـــقة؟

لا أعرف بالضبط اسم الجهة التي أطلقت مصطلح «الناتو العربي» على الحلف العسكري الذي يسعى البعض لتشكيله بهدف العمل على احتواء النفوذ الإيراني المتنامي في منطقة الشرق الأوسط.

ولأن صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية كانت قد نشرت يوم 17 من الشهر الحالي خبرا منسوبا إلى مسؤولين في البيت الأبيض يشير إلى أن الرئيس ترامب سيعرض على قادة الدول الذين التقي بهم في الرياض خلال جولته الحالية في المنطقة «اقتراحا بإنشاء تحالف عسكري على غرار حلف شمال الأطلسي تشارك فيه الدول العربية والإسلامية السنية»، يرجح كثيرون أن تكون أوساط أميركية رسمية أو إعلامية هي التي تولت نحت هذا المصطلح وعملت على الترويج له. ولم تكتف الصحيفة المذكورة بنشر هذا الخبر وإنما كشفت في الوقت نفسه عن أن الخطوط العريضة لمشروع «الناتو العربي» جرت مناقشتها مع ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بعد أيام قليلة من إعلان فوز ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية التي جرت في نوفمبر الماضي، كما كشفت أن التفاصيل المتعلقة بهذا المشروع نوقشت في لقاءات مطولة عقدت في واشنطن بين وفد يمثل الأمير محمد بن سلمان وجاريد كوشنر، صهر ترامب.
غير ان المقارنة بين الحلف المزمع تشكيله حاليا في منطقة الشرق الأوسط وبين حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن تكون دقيقة أو حتى موحية، فحلف الناتو تشكل، كما هو معروف، في سياق رؤية أميركية استهدفت تنظيم صفوف الدول الرأسمالية وتوحيدها في مواجهة اتحاد سوفياتي كان قد خرج من الحرب العالمية الثانية قوة عظمى تدور في فلكها مجموعة دول أوروبا الشرقية ويطمح لنشر أيديولوجيته الاشتراكية عبر العالم، وبالتالي كان تشكيله إيذاناً بولادة نظام عالمي ثنائي القطبية يتسم بوجود معسكرين متصارعين لكل منهما نسق داخلي خاص به وينطوي على قدر ما من الاتساق. ولأن الحلف الشرق أوسطي قيد التشكيل لا يتضمن أياً من هذه العناصر التكوينية، يتوقع أن يواجه عقبات ومشكلات عديدة، يمكن أن نجمل أهمها على النحو التالي:
أولاً: الوضع القانوني الولايات المتحدة داخل الحلف: فليس من الواضح حتى الآن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستصبح عضواً رسمياً في الحلف أم أنها ستكتفي بتحريكه من وراء ستار «قيادة من الخلف»، والاكتفاء بمد مؤسساته الرسمية بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية وتدريب وحداته المقاتلة..الخ. فعضوية الولايات المتحدة رسمياً في الحلف ستثير مشكلات كثيرة، أقلها أنه سيبدو موجها ضد روسيا والصين وليس فقط ضد إيران التي لا تشكل قطباً دولياً يستدعي دخول الولايات المتحدة في حلف لمواجهتها، وغياب الولايات المتحدة رسمياً عنه يضعف الحلف ويجعله أكثر عرضة لصراعاته وتناقضاته الداخلية.
ثانياً: علاقة إسرائيل بالحلف: فليس من الواضح بعد ما إذا كانت إسرائيل ستشارك فيه، سواء كعضو عامل أو منتسب، أو الاكتفاء بوضع المراقب. ومن المعروف أن إسرائيل تطرح نفسها باعتبارها دولة عانت من الإرهاب ولديها خبرة هائلة في مكافحته، وترى في إيران مصدراً لتهديد الأمن يتعين تحجيم خطره أو حتى إزالته، وبالتالي تشارك بقية الدول الأعضاء نفس الأهداف التي يسعى الحلف لتحقيقها، وفي كلتا الحالتين ستصبح إسرائيل عبئا على الحلف وعنصرا من عناصر إضعافه وتشويه سمعته، خصوصا وأنها تمارس الإرهاب يوميا ضد الشعب الفلسطيني وتصادر على حقوقه، وهو ما لا يمكن لشعوب المنطقة أن تتسامح معه.
ثالثاً: البنية المؤسسية للحلف وطريقة صنع القرار فيه: فتجربة الدول العربية والإسلامية في بناء المؤسسات الجماعية محدودة ولا تبشر بخير. ويكفي ان نذكر ما آلت إليه جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو الاقتراح الذي سبق للرئيس السيسي ان تقدم به لتشكيل قوة عربية مشتركة، لندرك كيف سيكون مآل الحلف لو لم تصبح الولايات المتحدة هي المسؤولة ليس فقط عن قيادته وإنما عن إدارته ايضا.
لكل هذه الأسباب تبدو فكرة الناتو العربي أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة.
بقلم: د. حسن نافعة

د. حسن نافعة