كتاب وأراء

تونس.. على صفيح ساخن

سقط بالأمس القريب في جنوب تونس الشرقي على الحدود الليبية من ولاية «تطاوين «شهيدان من شهداء الموجة الثورية الجديدة التي تجتاح تونس مهد الربيع العربي. سال الدم من جديد وأطلق الرصاص وقنابل الغاز في وجه شعب أعزل طالب بتأميم ثرواته والتحرر من ربقة الشركات الاستبدادية الناهبة التي راكمت منذ عقود من الزمان ثروات هائلة على حساب مستقبل الآلاف من الشباب العاطل عن العمل.
الأزمة حقيقية والحكومة في ورطة كبيرة بسبب عجزها منذ البداية عن مواجهة مطالب التونسيين بمقاومة الفساد والفاسدين الذين نجحوا في امتصاص الموجة الثورية الأولى. المطالب ليست في الحقيقة تعجيزية ولا هي مطالب مشطة من قبل المحتجين في الجنوب وفي العمق التونسي الفقير الذي طالب فقط بالتشغيل وبالتوقف عن نهب الثروات. في هذا العمق العميق لا توجد بنية تحتية حقيقة ولا جامعات ولا مستشفيات لائقة ولا خدمات تليق بما تزخر به المنطقة من الثروات الباطنية الهائلة.
أما الموجات الاحتجاجية فإنها لا تقتصر على الجنوب الفقير بل تمتد إلى كامل الجسد التونسي العميق الواقع خارج تغطية المركز بما هو العاصمة بأحيائها الراقية والساحل المترف بما هو موطن السلطة السياسية التي ينحدر منها الرئيسان السابقان لتونس بورقيبة وبن علي. هذا الجسد العليل هو الذي ينتفض اليوم من أجل أن يقتلع حقه في الحرية والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات.
أمام هذه المطالب قامت الدولة القمعية بما هي الوريث الشرعي للنظام القديم باستعمال قنابل الغاز المسيل للدموع وقمع المتظاهرين وحرق خيامهم وضربهم بالعصي ودهسهم يالسيارات المصفحة. هذا الرد القمعي المتوحش يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الدولة القمعية لا تعرف من الأجوبة إلا القوة المادية الغاشمة لأنها لا تملك في نهاية الأمر حلولا للمشاكل الاجتماعية فهي متورطة في منظومة الفساد التي تحكم البلاد منذ أكثر من نصف قرن من الزمان.
هذا الوضع المشتعل الذي ينبئ بمزيد من الاحتقان يؤكد أيضا أن ما تظاهر من أجله التونسيون وأن مطالب الثورة التونسية ومطالب شهدائها قد تم الالتفاف عليها وأن الدولة العميقة التي تركها نظام بن علي هي التي تحكم اليوم في تونس بنفس القيم وبنفس الآليات.
المنعرج خطير جدا لأن المتظاهرين لن يتوقفوا عن المطالبة بحقوقهم المشروعة في حين أن الدولة لا تستطيع تلبية هذه المطالب لأنها جزء من منظومة النهب والفساد التي ابتلعت مئات الملايين من الدولارات التي قدمت لتونس الثورة في شكل قروض وهبات ودعم فضلا عن الثروات الوطنية.
إن معركة الشعوب اليوم إنما هي معركة ضد الفساد وضد النهب بما هما الأسس التي تقوم عليهما الدولة الاستبدادية في شكلها العربي.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد