كتاب وأراء

طريق وحزام الحرير .. من المستفيد ؟

وضحنا في المقالة السابقة كيف أن الصين تحاول من خلال مبادرة «حزام واحد، طريق واحد» بأن تكون الاقتصاد الأول في العالم وتحول ثقل الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق ومن ثم تنتزع الصدارة وبجدارة من الاقتصاد الأميركي. ولكن ما هو دور الدول العربية من هذه المبادرة؟ وكيف يمكن أن تستفيد منها؟ في هذا الصدد يمكنني الادعاء أن لي تجربة فريدة قد تساعدني في محاولة الإجابة عن الأسئلة السابقة.
لقد تمت دعوتي في أبريل الماضي ضمن وفد شعبي يتكون من أكثر من سبعين فرداً (من بين شخصيات بارزة في أحزاب عربية وممثلين لوسائل الإعلام العربية المؤثرة بالإضافة لعدد قليل جدا من الأكاديميين العرب) لزيارة الصين على نفقة الحكومة الصينية لشرح وترويج «مبادرة الحزام والطريق» على المستوى الشعبي في البلاد العربية. وأتيح لنا خلال هذه الزيارة فرصة اللقاء مع عدد من المسؤولين الصينيين الكبار الذين يتولون هذه المهمة في وزاراتي الخارجية والاقتصاد وبخاصة القسم المهتم بالشؤون العربية في هاتين الوزارتين واختتمت الزيارة- التي كانت مدتها ما يقرب من أسبوعين تنقلنا فيها بين عدة مدن وولايات صينية- بلقاء مع نائب رئيس الجمهورية الصيني. ولقد كتبت خواطري وانطباعاتي عن هذه الزيارة فيما بعد وفيها ما يلي بخصوص الإجابة عن الأسئلة المعنى بها هذه المقالة.
كان واضحاً من الكرم الصيني خلال هذه الزيارة ومن مجموعة المسؤولين الصينيين الذين تمت مقابلتهم أن الهدف هو تعريف العرب بالصين الجديدة ومحاولة استخدام البرلمانيين والإعلاميين والأكاديميين العرب في رسم صورة إيجابية لاقتصاد الصين بين شعوبهم وبخاصة تشجيع حكومات الدول العربية على الاشتراك والمساهمة في مشروع «طريق وحزام الحرير». ومن ثم فإن الهدف من الدعوة هو اقتصادي بالمقام الأول، وهناك بعض المحاور التي تم ذكرها عرض من الجانب الصيني ويمكن معها استنباط النتائج التالية:
1. الصين تريد من الدول الخليجية ذات الفوائض المالية أن تشارك في تمويل البنية التحتية على جانبي الطريق للدول الآسيوية المسلمة الفقيرة مثل أذربيجان وأوزبكستان كمساهمة في أنشاء الطريق.
2. دول الخليج والدول العربية عامة ليست لديها قدرات تفاوضية عالية والصينيون يعتمدون على ذلك في أقناع هذه الدول بضرورة المساهمة في المشروع وحتى لو كان النفع الذي سيعود عليهم قليلا والمشروع غير مجد لهم اقتصاديا. حيث إن المشروع يهدف إلى ربط الصين بأوروبا وإفريقيا ووسط آسيا. والدول العربية ستكون معابر بالمقام الأول وليست محطات نهائية.
3. هناك صعوبات اقتصادية محلية تمر بها الصين حالياً «وغير معلن عنها» وهي وتشبه كثيراً الأزمة العقارية في أميركا والتي أدت إلى الكساد الكبير في 2007 - 2009 ووجود الطريق والحزام سيساعد كثيراً في التقليل من مخاطر هذه الصعوبات (تقارير بلومبرج منذ ما يقرب من عام ونصف تفيد بأن هناك عدد يزيد عن مدن كبيرة بحجم مانهاتن -نيويورك تم بناؤها ولم يقطنها مستأجر واحد للآن لأسباب بيئية تتعلق بسلامة المياه والتربة). ومن ثم يمكن للدول العربية استخدام هذه المعلومات لزيادة قدرتهم التفاوضية.
4. يجب على دول الخليج خاصة والدول العربية عامة الا تتفاوض مع الصين بصورة فردية وأن تتجنب الاتفاقيات الثنائية غير المتكافئة (سعودية-صينية، أو قطرية- صينية، كويتية– صينية أو مصرية- صينية. إلخ) وإنما يكون التفاوض جماعيا وفي صورة كتل إقليمية على الأقل (خليجية أو مغاربية أو دول جنوب البحر المتوسط) ومن ثم لا تستغل الصين- كما فعلت أميركا من قبل حالة- الانقسام العربي. أيضا يجب أن توافق دول الخليج على التمويل فقط في حالة ما إذا كان بشركات مشتركة (خليجية وصينية) ومن ثم يمكن أن تضمن دول الخليج دورا يؤدي في النهاية إلى تنويع اقتصاداتها.
5. ألا تخضع المواقف العربية التفاوضية مع الصين للعواطف الشرقية التي يحاول الصينيون أن يضفوها على المشروع عن طريق «أحياء طريق الحرير القديم مع العرب» حيث إن مواقف الصين السياسية لا تخضع الا لمنطق «المنافع الاقتصادية أولا وقبل كل شيء». ففي الوقت الذي كانت تستضيف فيه الصين الوفود العربية كانت لا تنكر أنها تقيم وتنمي علاقاتها الاقتصادية والسياسية الوطيدة مع إسرائيل وتقوم شركاتها ببناء طريق سكة حديد في إسرائيل قد يكون منافسا لقناة السويس كما أنها تستورد سلعا من المستوطنات الإسرائيلية.

بقلم : أ.د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي