كتاب وأراء

أزمة العراق إلى طريق مسدود

لم يترك النظام السياسي العراقي المحكوم بالمعادلة الطائفية هامشا للمناورة حتى لأولئك«التكنوقراط» المولودين من صلبه.فقد ساد الاعتقاد بأن المخرج من أزمة الحكومةالمشلولة في بغداد هو بتفريخ فريق وزاري من غير السياسيين والحزبيين المنتمين للتشكيلات الطائفية المهيمنة على السلطة في العراق.لكن بمجرد أن طرح رئيس الوزراء حيدر العبادي المغلوب على أمره،تشكيلته المقترحة من التكنوقراط، حتى تعالت الأصوات المعترضة والمحتجة من القوى المنضوية تحت راية«التحالف الوطني» الحاكم، ومن القوى الطائفية المحسوبة على المعارضة في البرلمان.

عمليا، كل الأطراف ليست راضية عن التشكيلة، والبرلمان لن يطرحها للتصويت قريبا كما كان يأمل العبادي.

نحن إذن امام محاولة جديدة فاشلة لإخراج نظام الحكم من مأزقه. ثمة محاولات سابقة اعتمدت منهجيات مختلفة لإنقاذ صيغة الحكم، اعتمدت وصفات سياسية وحزبية،ومقاربات أخرى،لكنها فشلت تماما. وبات الخيار الوحيد المتاح أمام العبادي هو التفكير بحلول خارج الصندوق التقليدي،وقد دعمت قوى خارجية فكرة حكومة التكنوقراط كمخرج مؤقت يجنب الحكومة والتحالف الحاكم خطر الإنهيار،والعودة من جديد إلى دوامة الفوضى، التي استثمرها تنظيم«داعش» الإرهابي على نحو كبير لفرض سلطة على مناطق واسعة في العراق. الإنطباع العام في أوساط الساسة العراقيين اليوم،هو أن الحكومة المقترحة تعرضت لوفاة مبكرة قبل أن تنهض على قدميها، وجرى وأدها في المهد.

لكن اللافت حقا أن أزمات النظام الطائفي في العراق،والشلل الذي أصاب مؤسسات الدولة، لم يؤثر يوما على حيوية مؤسسة الفساد في العراق، ونشاطها المحموم،وآخر ما كشفته التحقيقات عن رشى بالملايين تلقاها وزراء بارزون في الحكومة لتمرير صفقات نفطية،تؤكدذلك بالدليل القاطع. مئات الملايين من دم وعرق الشعب العراقي ذهبت لجيوب الكبار مقابل عقود مجزية لشركات عالمية تنهب ثروات العراق دون حسيب أو رقيب. بالعراق بالنسبة لهؤلاء مجرد بئر نفط، ومنطقة خضراء يحتمون فيها من غضب العراقيين.وحين يشتد الخطب والخطر يغادرونها على الفور إلى حيث توجد ملايينهم.

لعل تعليق أحد الساسة العراقيين على مسرحية حكومة التكنوقراط يلخص الحال،يقول السياسي:«أصل القصة يتعلق بالنظام السياسي لابالوزراء،سواء كانوا من التكنوقراط أو غيرهم، حيث لايوجد لدينا قانون أو إطار صحيح للحكم الرشيد،مايعني أننا لو جبلنا الحكومتين الأميركية والبريطانية ومنحناهما مسؤولية الحكم في العراق،فإنهما في ظل الوضع مانحن فيه لن ينجحا».

وفي ظني أن هذا القول المختصر يلخص أزمة العراق، وهي أزمة بنيوية بامتياز أصلها جوهر النظام القائم على المحاصصة الطائفية، والإقصاء السياسي، والرضوخ الكامل لإملاءات قوى خارجية تريده ورقة في لعبة النفوذ الإقليمي،وبيدقا في حروبها.

لايمكن لنظام مأزوم في بنيته أن ينتج حلولا لأزماته،فليس بمقدوره أن يخرج من جلده،وسيظل يداور المأزق من أطرافه دون أن ينجح في اختراقه والتغلب عليه. مشكلة العراق ليست في«التكنوقراط»؛فمن بين أبناء الشعب العراقي أفضل الخبراء على مستوى العالم في كل المجالات. المشكلة هي في الحاضنة السياسية وقوانين اللعبة التي تحكم البلاد؛فهى لاتعطي لاللتكنوقراط ولا لغيرهم فرصة المشاركة في صناعة القرار، وتحتكر أدواته ومؤسساته،لحساب قوى ذات لون واحد وطبيعة طائفية صرفة.

لقد تخلص العراقيون من نظام استبدادي بدد ثروات العراق في مغامرات مجنونة،وهاهم اليوم يخضعون لنظام لم يعد يقوى على تسيير الحياة اليومية للناس، ولايطيق حتى التكنوقراط.



بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان