كتاب وأراء

إلى متى؟

لا يُذكر لويجي براندللو إلا وتذكر معه مسرحيته الخالدة ست شخصيات تبحث عن مؤلف، وما زالت إيطاليا تحتفل بأعظم كتابها، وأكثرهم غزارة في الإنتاج الأدبي، إذ ترك ست قصص طويلة وثلاثمائة قصة قصيرة وخمسين مسرحية، وعدة مقالات للرد على النقاد الذين يظنون أن دورهم يقتصر على التقليل من قيمة أي نجاح يصيبه المجتهد، ومنها هذا المقال اللاذع: «يمكن لعالم الحيوان أن يتحدث عن الإنسان بأن يقول مثلا إنه ليس من ذوات الأربع، وإنما يمشي على رجلين، على أن الإنسان الذي يتحدث عنه عالم الحيوان لا يكون الشخص نفسه إذا فقد قدما أو عينا واستبدل القدم المفقودة بساق خشبية والعين المفقودة بعين زجاجية، وإذا واجهناه بمثل هذا الرجل فإنه يجيبك بأنه لا يُعرف هذا الإنسان في عالم الحيوان، بل هو يتكلم بوجه عام عن الإنسان، ويمكن عندها أن نعارضه بقولنا إننا لا نعرف الإنسان الذي يمثل جميع البشر، بل أن هناك أناسا لا يمثل أحدهم الآخر، وإنه يمكن أن يكون لأحدهم ساق خشبية أو عين من الزجاج، لذلك نصل إلى تساؤل: هل السادة نقاد الأدب يعتبرون من علماء الحيوان، أو يعتبرون نقاد أدب حين يحكمون على قصة أو مسرحية بأنها بعيدة عن الواقع، كأنهم يعتبرون الكمال حقيقة موجودة فعلا، ولا يتصورون أن النقائص والعيوب ليست بحاجة لتبرير لأنها حقيقة فعلا، وموجودة فعلا».
مضى على هذه الكلمات التي كتبت منذ ما يزيد على قرن، تحديدا قرن ونصف ولم تتغير النظرة التي ترى أن دور الفن هو تقليد الواقع مع إغفال المفارقات المثيرة للجدل، وبعيدا عن الناقد والواقع يحصرك المنتجون في موضوعات مكررة، متبنين شعار أفلام المقاولات الهابطة القائل الجمهور عاوز كده، الجمهور واع ويريد أن يرى فنا يحترم عقليته، سواء كان هذا الفن قريبا من الواقع أو من شطحات الخيال، الأعمال الواقعية تحرض على الانتقاء وتجنب أو تقبل ما هو كائن والخيال يحرض الفكر.. والخلق.. قبل أن يخطو رائد الفضاء «نيل آرمسترونغ» على سطح القمر ظهرت أفلام كرتونية تمهد لهذه الخطوة. وتهيئ البشر لهذا السبق، وقبل اختراع الطائرة والغواصة ظهرت قصص الخيال العلمي على يد «جول فيرن».. لا أجرؤ على القول إن التحرر من النمطية في الكتابة الدرامية قد يلهم أحدا ما باختراع أو اكتشاف أو فكرة عبقرية تفيد البشرية، فقط يكفي أن نحاول الإتيان بجديد.. وأن نتحرر من الجمل والكليشهات المكررة: هل هذا عمل واقعي؟ وهل يحدث أو لا يحدث هذا في المجتمع.. يجوز أو لا يجوز؟
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري