كتاب وأراء

الشرطة المصرية في قفص الاتهام

لم تصمد تلفيقات النيابة المصرية أمام إصرار الحكومة الإيطالية على إجلاء الحقيقة في حادثة تعذيب وقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في مصر.

كانت التحقيقات المستقلة،ومتابعات وسائل الإعلام الغربية قد حاصرت الحكومة المصرية بالأدلة والوقائع التي تؤكد مقتل ريجيني طالب الدكتوراه في جامعة كمبريدج البريطانية على يد أفراد الشرطة المصرية.وقد وجدت الشرطة المصرية نفسها في قفص الاتهام حقا،وتحت ضغط المحققين «الطليان» للإدلاء بالحقيقة المرة.

كان الاعتراف بالجريمة مكلفا على النظام المصري، وعواقبه غير محمودة أبدا على المستوى الدولي والإنساني،فكان لابد من التهرب،والعمل على اختلاق رواية مفركة لجريمة القتل.

بعد أسابيع على الجريمة خرجت الشرطة بقصة عجيبة غريبة عن عصابة لم يسمع بها أحد من قبل في مصر؛تخطف الأجانب والطلاب منهم تحديدا،وتعذبهم وتقتلهم؛هكذا من دون سبب.ثم وعلى نحو مفاجئ تعثر الشرطة المصرية على أفراد العصابة الأربعة مقتولين!

وفي هكذا حال لاتجد الشرطة سبيلا لاستجوابهم،فتغلق ملف قضية الطالب الإيطالي، «ويادار مادخلك شر» فيسلم الجانب الإيطالي بالنتيجة،ويشكر مصر حكومة وشرطة ونيابة على جهودها في كشف القتلة.

فيلم لايرقى في رداءة إخراجه لأكثر أفلام السينما المصرية هبوطا وسطحية.

صدم النظام المصري برد فعل النيابة الإيطالية التي سخرت من «الفيلم المصري»ورفضت روايته جملة وتفصيلا،وتمسكت بما لديها من أدلة وتقارير تؤكد مقتل ريجيني على يد أفراد الشرطة المصريين،وطالبت السلطات المصرية بمراجعة بياناتها بهذا الخصوص وإعادة التحقيق من جديد.

وإزاء هذه الإصرار لم يكن أمام النيابة المصرية سوى الإذعان،والتراجع نهائيا عن عرض الفيلم الهابط عن عصابة الأربعة التي تقتل الأجانب، مع ان سجلات النيابة وتغطيات وسائل الإعلام المصرية لم تسجل أية حادثة اختفاء وقتل لطلاب أجانب قبل حادثة الشاب الإيطالي.

كان يمكن لفيلم النيابة المصرية أن يمر بالإكراه لو أن الضحية مواطن مصري غلبان لاسند له ولاعون؛فكل يوم تقيد جرائم اختفاء وقتل وخطف ضد مجهولين في مصر. وبدون تحرك من المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان وضغط المجتمع المدني يستحيل أن ينال المعتدون من أفراد الشرطة القصاص أو ينصف الضحايا بعد موتهم.

لكن الضحية هنا مواطن في دولة قانون لاتفرط بحقوق مواطنيها في أي مكان في العالم،وتنهض لتدافع عنهم حتى وهم أموات.

كان ريجيني واحدا من الباحثين الشجعان،والذي استغل إقامته العلمية في مصر لكشف الحقائق المروعة عن انتهاك حقوق الإنسان،وتوثيقها، بتقارير نشرت في صحف غربية،أغضبت السلطات،فقررت تصفية حسابها معه على الطريقة البدائية والوحشية لأجهزة الأمن، فاختطفته من الشارع دون سند قانون،وتركت لافرادها المتحللين من أي التزام قانوني واخلاقي ممارسة كافة أشكال الضغط عليه لتلفيق أدلة تدينه بالعمالة للخارج،لكن صموده استفز المحققين، فمارسوا بحقه كل أشكال التعذيب الوحشي إلى أن سقط جثة هامدة.

ومثلما يفعل المجرمون في ضحاياهم قرر أفراد الشرطة التخلص من جثة الطالب الإيطالي،فالقوا بها في مكان مهجور إلى أن تم العثور عليها، فكانت مواجهة مفتوحة مع السلطات الإيطالية لن تنتهي إلا بانتزاع الاعترافات الكاملة والتوقيع عليها لينال القتلة القصاص العادل. حتى الآن مايزال المتهم يراوغ مع المحققين ويتملص من قول الحقيقة،لكن الأدلة تحاصره من كل الجهات، وقريبا سيوقع على محضر النيابة الإيطالية.



بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان