كتاب وأراء

التلصص والرؤية الأحادية

ثمة عادة لدى القراء العرب كفيلة بنسف فكرة الأدب عن بكرة أبيها، عادة امتدت منذ زمن طويل بسبب انعدام الحريات الفردية، واعتبار حياة الفرد ملكا للجماعة، تحت أعذار: خدش حياء المجتمع، والإساءة للعادات والتقاليد المجتمعية، وغيرها من هذه الأعذار التي لا نجدها إلا في بلداننا، التي يمارس فيها قمع الفرد بالتراتب السلطوي، بدءا من سلطة الدولة مرورا بالسلطة الدينية فسلطة القييلة والعائلة وهكذا، حتى يصبح كل فرد مقموع وقامع بالوقت نفسه.
هذه العادة لدى القراء يمكنها ان نسميها عادة التلصص، بحيث يتحول القارئ، من قارئ يبحث عن المتعة والفائدة وشحن الروح والذاكرة والعقل بمخزون معرفي وثقافي وجمالي، إلى مجرد متلصص على الحياة الشخصية للكاتب الذي يقرأ له كتابا أو نصا أو حوارا أو أي شيء آخر، ويبدأ تقييمه لما يقرأ من خلال هذه التلصصية، خصوصا إذا كان الكاتب يكتب نصه النثري أو الشعري بصيغة المتكلم، (الأنا)، التي تسمح للقارئ المتلصص بأن يشطح بخياله بحيث يحيل النص إلى دلالة وحيدة فقط، هي الكاتب نفسه وحياته الشخصية، مسقطا عن النص أية دلالة جمعية أو تاريخية أو جمالية.
ويصبح الأمر أكثر تسخيفا للنص حين يكون الكاتب معاصرا، على قيد الحياة، ويزداد التسخيف إن كان الكاتب ينتمي إلى نفس جنسية القارئ ونفس المنبت.
تظهر هذه المفارقة كثيرا مع سطوة وسائل التواصل الاجتماعية على حياتنا اليومية، لا سيما الفيسبوك، الذي تحولت صفحاته إلى منابر شخصية للكثير من الكتاب والمبدعين العرب، إذ ينشر الكثير من الكتاب مقاطع من كتبهم (شعرا أو نثرا) على صفحاتهم الشخصية، وغالبا ماتكون صفحات الكتاب مفتوحة للعامة، مما يسمح لأي متصفح بالدخول والقراءة والتعليق أحيانا، عدا عن أن غالبية الكتاب لديهم ما يقارب الخمسة آلاف صديق افتراضي، وهو الحد الأعلى المسموح به لقبول الصداقة على الفيسبوك، ماالذي يحدث هنا؟ ينشر كاتب فصلا أو مقطعا من عمل جديد له، أو ينشر شاعر أو شاعرة قصيدة جديدة، فتنهال التعليقات تحت النص من القراء، وغالبية هذه التعليقات تتمحور حول التالي: الكاتب لديه معاناة ما وهو يبوح بها على الفيسبوك، علينا إذن التعاطف معه!.
هذا النوع من القراءة يجعل من النص الأدبي فعلا مجرد بوح لا عملا أدبيا يحمل مقومات الإبداع بكل ما لها وما عليها، قلة من هؤلاء القراء، يدركون أن ما قرؤوه الآن هو نص أدبي، قد يكون لا علاقة له إطلاقا بحالة كاتبه النفسية ولا بحياته الشخصية، هؤلاء هم أصلا قراء أدب وشعر ورواية، لا متصفحو فيسبوك يومين فقط، على أن حالة القارئ المتلصص الذي لا يتمكن من رؤية أي بعد خارج الحياة الشخصية للآخرين، موجودة لدى شرائح واسعة وليس فقط لدى قراء الأدب الافتراضيين، ففي أي خلاف بالرأي، سياسي أو اجتماعي أو فكري، يتم نسيان موضوع الخلاف ليبدأ التعرض للحياة الشخصية للشخص صاحب الرأي المختلف، بحيث يتم الحديث عن أدق خصوصيات حياته، وأحيانا كثيرة يتم اختراع أحداث وسير تنسب له كي يتم تشويه سمعته أكثر.
ورغم أن الفيسبوك ملعب ممتاز لهذا النوع من التلصص الرديء، إلا أن الفضائيات العربية، خصوصا تلك التابعة لأجهزة الأنظمة الأمنية، لا تقل رداءة عن الفيسبوك، بل هي أكثر خطرا من حيث وصولها إلى شرائح اجتماعية أكبر.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران