كتاب وأراء

صندوق الحزن التاريخي.. والحاجة إلى التخفف من الحمولة التاريخية

تاريخ أي أمة ليس كله انتصارات، كل الأمم كابدت مرارة الهزائم وذاقت لذة النصر، فرحت مرات وتألمت مرات، واضعةً تجاربها في صندوق تاريخي أو ذاكرة مليئة بالأفراح والأتراح. وفتح أي صندوق تاريخي ليس مأموناً سواء خص الذكريات الحزينة أو القصص السعيدة. ولهذا فالتعامل مع صناديق التاريخ يجب أن يجري بروية وحذر. فالتاريخ، القريب منه والبعيد، يغص بأحداث مؤلمة يحتاج تذكرها إلى حيطة حتى لا يدفع الخوض فيها، مثل نكبة 48، إلى إحباط مميت أو ينتهي على النقيض إلى تهور طائش. وكذلك الحال بالنسبة للقصص التاريخية السعيدة. فاستجلابها من الماضي يتطلب نفس الحذر.
فبرغم البهجة التي تحدثها إلا أن استدعاءها بعاطفة جياشة غالباً ما ينتهي بأسوأ أشكال الضرر لأنها تعوض بمجد الماضي عن بؤس الحاضر. كما أنها تصرف الناس عن العمل إلى المبالغة في الكلام في صناعة كاملة للعار، وهو ما عبر عنه الأستاذ عباس محمود العقاد شعراً بقوله «أجدادكم إن عظموا وأنتم لم تعظموا...فإن فخركم بهم عار عليكم مبرم».
وأحد الملامح اللافتة في الشخصية العربية المعاصرة حيرتها عندما يفتح أحد أمامها صندوق التاريخ. تجدها تفتخر بزهو بماض لم تصنعه لتداري به خزياً على حاضر ومستقبل ما كان يجب أن تضيعه. تباه مثلاً بالفتوحات الإسلامية التي لم تسهم أبداً فيها ناسيةً أن ذلك لن يعفيها عن كوارث تراخت معها مثل نكبة 48 ونكسة 67. وتتيه بالمثل بماض زاهر لم تبنيه في الأندلس كأن ذلك سيعفيها من الإحساس بالخزي على ما تسببت فيه في السنوات القليلة الأخيرة من كوارث في سوريا والعراق وليبيا واليمن فقط على سبيل التدليل.
هذا التناقض بين نرجسية تمجد تاريخاً انتهى لم يكن العرب المعاصرون طرفاً فيه، ودونية ضاغطة يعيشونها ويحاولون الهروب منها إنما يمثل أبلغ صورة للألم في صندوق الحزن التاريخي. فالأكثر إيلاماً في هذا الصندوق ليست سلسلة الأحداث المفجعة التي تعرض لها العرب مثلاً خلال القرن الماضي وحده مثل سايكس بيكو ووعد بلفور وضياع فلسطين واجتياح إسرائيل للبنان، وإنما في طريقة فهم العرب لصندوق التاريخ. فالذهنية المعاصرة السائدة لا تعرف القطيعة التاريخية ولا التجاوز التاريخي ولا التمثل الانتقائي للتاريخ، ولم تُقدّر إلى الآن أهمية الكف عن الزهو بالتاريخ. فالتاريخ عند العرب ما يزال حياً مع أن ظروف إعادة إنتاجه ماتت وانتهت.
هذا المنهج العربي غير النقدي للتاريخ يؤكد أن العرب لديهم مشكلة في التعامل مع الحمولة التاريخية وهي جملة الوقائع القديمة التي ما يزال لها حضوراً وتأثيراً ووقعاً على السلوك المعاصر. وحدها المجتمعات التي اكتشفت التنوير هي التي عرفت كيف تتعامل مع حمولتها التاريخية وكيف تتخفف منها حتى لا تترهل وتثقل حركتها. مجتمعات اختارت أن تزهو لكن بإنجازات معاصرة كبرى صنعتها بنفسها وقررت أن تطوي صفحات كثيرة من الماضي رأت أنها لم تعد تغني أو تفيد. وغير صحيح بالمرة أن المجتمعات التي عرفت التنوير تهمل التاريخ. على النقيض تماماً لأن دولاً مثل فرنسا والسويد تنفق بسخاء على المتاحف والقصور القديمة وأعمال الأرشفة وتخزين الوثائق. كما أن غيرها من المجتمعات المستنيرة لا تستطيع أن تسقط الحمولة التاريخية التي لا تنسى مثل تاريخ الجموح الياباني في آسيا أو الألماني في أوروبا. لكن تلك المجتمعات تعرف وهي تستدعي التاريخ كيف تستدعيه ولأي غرض تستدعيه. فهي لا تستحضر التاريخ لتصوره ذهبياً بطولياً وإنما تحاسبه بمقاييس الكلفة والمنفعة. لا تفتح صناديقها التاريخية للندب والعويل على ذل تعرضت له أو لتفخيم الذات على مجد كان لها. وإنما تفتحه بالحد المناسب حتى لا تنساه وحتى لا تقدسه. مجتمعات عرفت القطيعة التاريخية ولهذا السبب نجحت وتقدمت.
أما المجتمعات المكبلة بالحمولات التاريخية الثقيلة فأشبه بسجين مقيد بسلاسل غليظة كلما تحرك كلما شدها أكثر حول نفسه، ولهذا فتخفيف الحمولة التاريخية شرطاً لازماً لأي دخول جاد إلى المستقبل. لكن ذلك ليس سهلاً لأنه يحتاج إلى ساسة ومثقفين بل وعوام مستنيرين لديهم الجرأة على تفكيك التاريخ وإعادة النظر في أحداثه بشكل مختلف. فضلاً عن ذلك فالحمولة التاريخية العربية لم تصوب أو تخفف ليس لقرن مضي وإنما لقرون عديدة، ما جعل نهر التاريخ الذي مر بمنطقتنا يحفر مساراً عاثراً يعوق التفكير في التغيير بدرجة تفوق غالباً قدرة كل القوى الفاعلة الحريصة والراغبة في التخفف من الحمولة التاريخية.
ومع هذا فلن يبقى حلاً إلا فتح صندوق الحزن التاريخي برغم ما قد يسببه ذلك من آلام ومعارك. ففتحه إرادياً، على صعوبته، أفضل من تركه ينفجر فجأة بكل ما فيه من حمولات تاريخية في الوجوه.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات