كتاب وأراء

زيارة ترامب بين الممكن والمستحيل

تستعد المنطقة لاستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أول جولة خارجية له والتي ستشمل، بالإضافة إلى السعودية وإسرائيل، زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، وحضور اجتماعين دولين أحدهما في بروكسل للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والآخر في صقلية للدول الصناعية السبع الكبرى.
ثلاث أمور مهمة تلفت النظر في هذه الزيارة:
أولها: اختيار المملكة العربية السعودية كنقطة انطلاق لهذه الجولة والذي يعكس مدى حرص الرئيس الأميركي الجديد لإعادة صياغة العلاقات الأميركية السعودية على أسس جديدة، وربما رغبته أيضا في نقل مستوى هذه العلاقات إلى موقع متقدم على جدول أولويات السياسة الخارجية الأميركية في المرحلة القادمة.
وثانيها: احتضان الرياض لثلاث قمم مهمة تعقد اثناء هذه الزيارة ويشارك فيها الرئيس الأميركي. فهناك قمة أميركية سعودية تقتصر على الرئيس ترامب والملك سلمان، وقمة أميركية خليجية تجمع ترامب وقادة الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، وقمة أميركية إسلامية تجمع ترامب وعدد من قادة الدول ذات الأغلبية السنية، مما يعكس حرص الرئيس الأميركي الجديد على تأكيد الزعامة السعودية ليس فقط لمنطقة الخليج وإنما أيضا للعالم الإسلامي ككل. وثالثها: رمزيتها الدينية: فقد أراد الرئيس ترامب أن تعكس زيارته الخارجية الأولى مدى ما يوليه من حرص على ترسيخ قيم التسامح الديني والتعايش السلمي بين الأديان السماوية الثلاثة، ومن هنا اختياره للسعودية كممثل للإسلام، ولإسرائيل كممثل لليهودية، وللفاتيكان، كممثل للمسيحية، لتكون المحطات الرئيسية في بداية جولته، وحرصه في الوقت نفسه على أن يجري اللقاء بالرئيس أبو مازن في بيت لحم وليس في رام الله.
ولأنه سبق للرئيس ترامب أن التقى في واشنطن بمعظم قادة المنطقة الذين سيلتقي بهم من جديد إبان زيارته القادمة للمنطقة، يبدو واضحا أن هذه الزيارة ليست مرتجلة أو مجرد زيارة مجاملة وإنما هي زيارة عمل يراد لها أن تأتي بنتائج قوية وملموسة. وفي ضوء ما نشر مؤخرا في الصحف ووسائل الإعلام الأميركية والغربية، يمكن القول إن الإدارة الأميركية الحالية تسعى من وراء هذه الزيارة لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
1- توقيع اضخم صفقات تسليح ممكنة مع دول مجلس التعاوني الخليجي، خاصة مع السعودية، وضمان التزامها في الوقت نفسه بضخ أكبر قدر ممكن من الاستثمارات في الولايات المتحدة كي تتمكن إدارة ترامب من تنفيذ وعودها الانتخابية بتنشيط الاقتصاد الأميركي وإعادة تجديد بنيته التحتية من طرق وموانئ ومطارات وكباري وأنفاق.. الخ.
2- تفعيل الجهود الرامية لمكافحة الإرهاب والحيلولة دون تمدد نفوذ إيران في المنطقة، بإدماج إسرائيل في المنطقة لمواجهة الأخطار المشتركة.
3- استئناف عملية السلام المتوقفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من خلال منهج جديد يستهدف التوصل إلى «صفقة القرن»، والتعامل مع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي باعتباره جزءا من صراع عربي- إسرائيلي أوسع، وهو ما يتطلب البحث عن آلية لتفعيل مبادرة السلام العربية التي سبق اعتمادها في بيروت.
لا أستبعد أبدا، من خلال قراءتي الخاصة للثابت والمتغير في سياسة الولايات المتحدة الأميركية، أن تسفر زيارة ترامب القادمة للمنطقة عن إبرام صفقات سلاح ضخمة مع دول الخليج التي قد تلتزم ايضا بضخ قدر أكبر من الااستثمارات في الاقتصاد الأميركي، مقابل ضمانات أميركية محددة لتحقيق أمن هذه الدول وإجراءات أكثر وضوحا لتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، فهذا الممكن الوحيد في تقديري. أما إذا كان الثمن المقابل هو تشكيل تحالف سني في مواجهة إيران تقوده الولايات المتحدة، فهذا هو الخطر بعينه لأنه سيؤجج الصراع الطائفي والمذهبي في المنطقة ولن يساعد أبدا على حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي أو الصراع العربي الإسرائيلي الأوسع، وبالتالي لن يخدم على المدى الطويل سوى المصالح الأميركية والإسرائيلية.

د. حسن نافعة