كتاب وأراء

لماذا تاه جلال أمين بـ «الأوتوستراد» ؟

صغيرة كنت حينما اعتقدت كسواي أن المعرفة ما هي إلا إضافة معلومات جديدة لأجهزتنا الإدراكية أو إضافة ما نستخلصه من هذه المعلومات، وبمرور الزمن التبس الأمر عليّ وبات هذا اليقين يتزعزع.
ثم زارني هاجس أن الزخم المعرفي يشتت الإدراك عوضاً عن إثرائه، لكني لم أكن لأجرؤ على الجهر بذلك حتى قرأت جملة لعالم الاقتصاد المصري الدكتور جلال أمين في كتابه «مكتوب على الجبين»، حيث كشف عن خاطر زاره هو أيضاً حينما تاه في دروب الطريق السريع بالولايات المتحدة رغم وجود عشرات اللافتات التعريفية التي من المفترض أنها كانت ستساعده في الوصول لهدفه، إلا أن إصراره على الاطلاع بدقة على كل ما هو مكتوب في تلك اللافتات زاده تيهاً كما تيه اليهود لأربعين بصحراء سيناء.
الشاهد أنه كتب يؤكد «أن المعرفة ليست إضافة معلومات جديدة، بل هي في الواقع عملية استبعاد بعض المعلومات من الكمية الضخمة من المعلومات المطروحة عليك».
فقد اكتشف أن ما ارتكبه من أخطاء لم يكن بسبب قلة التوجيهات والإشارات والمعلومات بل كثرتها، كما تبين له لاحقاً أن هناك لافتات يجب تجاهلها وأخرى من الحتمية الالتفات إليها.
وكأني أبحث عمن يعضد هواجسي، فكما فرحت بمقولة د. أمين كذلك بت أكثر سعادة حينما قرأت طرح الفيلسوف «هنري برجسون» في مناقشته للعلاقة بين الذاكرة والإدراك الحسي، سيما حينما ذكر التالي:
إن وظيفة المخ والجهاز العصبي والحواس هي في الأساس «استبعادية» (ELIMINATIVE) وليست في الإضافة (PRODUCTIVE). إن كل شخص له القدرة على تذكر كل ما مر به من تجارب وأحداث، وعلى إدراك كل ما يحدث في أي مكان في العالم، لكن وظيفة المخ هي حمايتنا من الغرق والضياع وسط هذه الكمية اللانهائية من المعارف التي لا طائل منها ولا تعنينا في شيء، وذلك بأن يستبعد من أذهاننا الجزء الأكبر مما نتعرض له من مدركات وذكريات في أي لحظة من اللحظات تاركاً فقط ذلك الجزء الصغير والمختار بعناية، والذي يكون ذا فائدة عملية لنا.
فكل شخص منا، يحمل ذهناً ضخماً «MIND AT LARGE»، ويجب أن يمر ذلك الذهن الضخم من خلال «فلتر» المخ والجهاز العصبي فلا يسمح بالخروج من هذا الممر إلا لجزء ضئيل للغاية يمثل ذلك النوع من الوعي الذي يساعدنا في البقاء.
- فالطالب المتفوق ليس من له القدرة على مذاكرة كل دروسه كلمة.. كلمة، بل هو من يستطيع التركيز علي الهام مع إسقاط ما لا طائل منه.
- ومن أبرز وصايا مشرفتي البريطانية بالجامعة: «ستجدون يومياً ببريدكم عشرات الرسائل التي ستغريكم بفتحها وستدخلون المكتبة فتفاجؤون بآلاف الكتب وستجدون في ورقة الامتحان أكثر من سؤال، والنجاح يكون باستبعاد الأقل أهمية والالتفات للأولويات والنابغة هو من لا يحتار حين يختار.
- لقد خلق الله زهاء سبعة مليارات يزاملونك البشرية، وقد يكونوا متابعين على تويتر والفيس بوك بالآلاف وأصدقاء المدرسة وزملاء الجامعة بالمئات ورفقاء العمل بالعشرات وأهل ببيتك قلة، وليس أغبي ممن يمنح وقته للكل، فلا طاقاته ولا إمكاناته ستتسع لسبعة مليارات من البشر ولو كان بثراء وسلطة «ترامب».
لذا فمعرفتك للصالح ستُحَتم عليك استبعاد كم مهول من المليارات السبعة لتتضح الصور أمامك فتختار من تستأمنه كصديق فتقربه ومن يراك كسنيد لتستبعده ومن يريدك للعثرات للسلف فتتجنبه ومن يتصل بك في المسارات للتلف فتحذره ومن وجوده حاصل كدابي الزفة، ومن ضغط عليك لتوقع على توكيل عام يظلمك ومن يهبك من فتات قلبه فيصدمك.. ثم من هم المُخْلَصون فيكرمك.
أما لو قياسك للمعرفة بالكم فعدد الرمل قلوب ونساء.. لكن نجاح علاقاتك تكمن في معرفتك لمن تستبعد من دائرة محيطك قبل من تجذب. كي لا تضل كدكتور جلال أمين في أوتوستراد أميركا.
كاتبة مصرية
EMAIL:DALIA.ELHADIDI@HOTMAIL.COM

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي