كتاب وأراء

الانقسام أصبح ظاهرة عالمية .. فرنسا النموذج الأحدث

مع أن الانتخابات الفرنسية قد مرت بسلام، بعد أن أحاطت بها المخاوف من أن تكون مناسبة جديدة تعزز التوجهات اليمينية المتطرفة والشعبوية التي تصاعد وجودها وتأثيرها داخل عديد الدول الأوروبية، إلا أنها كشفت عن حقيقة أصبح من الصعب إغفالها، وهي أن الانقسام السياسي والاجتماعي هو العنوان الأبرز اليوم، ليس في الولايات المتحدة وحدها، ولا في منطقتنا العربية أيضاً، بل داخل أعرق المجتمعات الأوروبية، مما يعنى أنه أصبح ظاهرة عالمية.
لقد نجح الشاب إيمانويل ماكرون (40 عاماً) في أن يصل إلى قصر الإليزيه بعد أن فاز في الانتخابات بنسبة 66 % على منافسته مارلين لوبان التي حصلت فقط على 34 %.
ولكن هذه النتيجة لم تقل لنا كل ملابسات الانتخابات؛ ففي الأصل تقدم لهذه الانتخابات 11 مرشحاً يمثلون أحزاباً وتيارات مختلفة، تم اختصارهم إلى 5 مرشحين كبار، وعند انتخابات المرحلة الأولى وقعت أولى المفاجآت التي أماطت اللثام عن الانشقاق والانقسام الذي دب في صفوف الفرنسيين؛ حيث أصبحت المنافسة بين اثنين فقط هما ماكرون ومارلين لوبان وخرج من السباق عتاة السياسيين القدامى أو الأحزاب التقليدية (الجمهورية والاشتراكي). ثم فاز ماكرون بالرئاسة في المرحلة الثانية، ولكن نسبة كبيرة من الأصوات التي حصل عليها هي تلك التي كانت ستذهب إلى مرشحي الأحزاب التقليدية الخاسرين للجولة الأولى والذين حفزوا أنصارهم على التصويت لماكرون حتى لا تنجح لوبان.
من جهة أخرى وصلت نسبة الممتنعين عن التصويت لأكثر من 25% وهو مؤشر يعبر عن الاحتجاج من جانب ربع من لهم حق التصويت على المشهد بأكمله. ومن جهة ثالثة فإن نسبة الـ 34% التي حصلت عليها لوبان تعني أن هناك نحو 11 مليون فرنسي (من 43 مليوناً لهم حق الانتخاب) أعطوا أصواتهم لها، وهو الأمر الذي جعلها تقول معلقة إن حزبها الجبهة الوطنية سيصبح بذلك أكبر قوى المعارضة للحكومة الجديدة.
وبالمقابل بات على ماكرون أن يواجه التحدي الصعب، وهو ضرورة أن يوفر لنفسه أغلبية مؤثرة في البرلمان، بينما ليس لديه حزب يضمن له ذلك.
ومن جهة رابعة أحدثت نتائج الانتخابات هزة سياسية قوية داخل الأحزاب التقليدية التي راحت تعمل على مراجعة أوضاعها من الداخل لتجيب عن التساؤلات حول أسباب الخسارة.
ما جرى في فرنسا لا يمكن فصله عما جرى في الولايات المتحدة وبريطانيا؛ ففي الحالات الثلاث هناك مشاعر لدى قطاع كبير من الناس بأن حياتهم المعيشية باتت أسوأ من ذي قبل، أي قبل أن يخضعوا لمتطلبات العولمة. كما أن الأحزاب الكبيرة في الدول الثلاث لم تعد قادرة على التحكم في صياغة مواقف الناس من الأحداث والمستجدات، ولا أيضاً الإعلام المكتوب والمرئي، وإنما هناك التأثير الأقوى الجديد المتمثل في الحركات السياسية التي تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي وتتجه بالدرجة الأولى للقطاعات المتضررة من الأوضاع القائمة سواء كانوا من الشباب أو الكبار.
هكذا قلب ماكرون المائدة على خصومه، مستعيناً بآلية مختلفة هي الحركة السياسية وليس الحزب (حركة إلى الأمام) التي شكلها منذ عام فقط، وهكذا خاصم دونالد ترامب وسائل الإعلام المعروفة وراح يتواصل مع الناس كل لحظة عبر «تويتر»!
لا يمكن بالطبع إغفال انتقال عدوى الانقسام الذي أصبح من الأقدار السيئة للمنطقة العربية إلى الساحة السياسية والاجتماعية الغربية، ولا يمكن إغفال تأثير الانقسام إلى يضرب النظام الدولي كله. ولكن ما هو جلي للعيان أن الانقسام الذي نتحدث عنه له عوامله القائمة في البنية السياسية والاجتماعية الغربية المستقلة عما يجري هنا من انقسامات، وهذا هو ما يدعو إلى النظر لمشهد الانقسام لا على أنه أمر محلي أو مناطقي، بل على أنه ظاهرة عالمية يتشارك في همها الجميع. وطالما أصبح الأمر كذلك، فإن الحوار والتوافق يصبح فرض عين على الجميع في ما بينهم البعض لاستعادة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد