كتاب وأراء

خط المواجهة عالميا انتقل إلى عالمنا العربي

عندما تلقيت، في إحدى الندوات، سؤالا محددا هو: إذا كان الرئيس الأميركي ترامب، قد وعد مصر بدعم قوتها الاقتصادية، وقدراتها العسكرية، لدورها في مكافحة الإرهاب، فما هو المقابل الذي ينتظر أن تقدمه له مصر؟
اخترت لإجابتي أن تتخطى حدود المعنى المباشر للسؤال، إلى الآفاق الأوسع التي تحكم استراتيجيات القوى الدولية، خاصة القوى الكبرى، والتي تتعدد أبعادها، ولا تنحصر في الحدود الضيقة، للعلاقة الثنائية، وأن المسألة محكومة بالتحديات الأساسية المتغيرة لمصالح الأمن القومي، بكافة مشتملاته.
والآن – فإن خط المواجهة لهذه القوة الكبرى – وحسب منطوق الأولويات الاستراتيجية لإدارة ترامب – قد انتقل من الغرب إلى الشرق الأوسط. وبالتالي فإن ما قدمته الولايات المتحدة للدول الغربية في أوروبا، التي كانت تقف على خط المواجهة الأمامي، لم يكن له مقابل مادي مباشر، لكن ما بادرت به الولايات المتحدة، تحت اسم مشروع مارشال، كان في حد ذاته، حماية لنفسها ولأمنها القومي.
كان الهدف الأول لمشروع مارشال، مساعدة دول أوروبا الغربية، بتقديم مبلغ 13 مليار دولار «بما يوازى 130 مليارا حسب القيمة الحالية للدولار»، كمعونة اقتصادية، لإعادة إعمار أوروبا، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، ولإعادة بناء المناطق التي خربتها الحرب، وإزالة الحواجز التجارية، وتحديث الصناعة، ومساعدة أوروبا لكى تزدهر من جديد، وبالتالي منع انتشار الشيوعية – الخطر الجديد للأمن القومي.
وحصلت على القدر الأكبر من المساعدات، الدول الصناعية الكبرى، باعتبار أن إعادة إعمارها، كفيل بإحداث الازدهار في كل أوروبا، وكان النصيب الأكبر لبريطانيا، تليها فرنسا، ثم ألمانيا الغربية. وحملت المبادرة اسم جورج مارشال وزير الخارجية الأميركي.
كانت أوروبا في ذلك الوقت مدمرة من الحرب، فالجيوش، على الجانبين، دمرت الطرق، والجسور، وخطوط الإمدادات، والمواصلات، والاقتصاد في حالة عجز، ولم يكن كثير من الناس يجدون الطعام، بينما أوروبا على خط المواجهة الأمامي مع العدو الجديد – الاتحاد السوفياتي.
ومضت السنوات وازدهرت أوروبا، خلال فترة تنفيذ مشروع مارشال من 1945 حتى 1952. ثم بدأ يظهر خلال السنوات الماضية، تراجع قيمة خط المواجهة في الغرب، وزاد الإحساس بذلك في عهد أوباما، وانتهاجه السياسة التي عرفت بالتوجه شرقا، وأولوية الأحداث في آسيا، والتي قلصت الاهتمام بأوروبا، وما ارتبط بهذا التوجه، من تقليل التركيز استراتيجيا على الشرق الأوسط، وهو أمر بدأ يتعارض بشكل واضح مع انتشار الإرهاب، الذي طال بتهديداته الغرب كله.
ثم جاء وصول ترامب للرئاسة، ليضع الحرب على الإرهاب، على رأس أولوياته الاستراتيجية، وترديده مقولة نحن نحتاج حلفاء جدد، وأصدقاء جدد، في الحرب على الإرهاب، إقرارا منه بأن خط المواجهة انتقل الآن إلى الشرق الأوسط، وهو يلقى بتهديداته على الولايات المتحدة وأمنها القومي، ولما كان ترامب – باعترافه – يقر بأن مصر تقف في مقدمة خط المواجهة الجديد ضد الإرهاب، فإنه يقرر بأن تقديمه المساعدة، من أجل ازدهارها اقتصاديا، ودعم قدراتها العسكرية، إنما يقوى هذه الجبهة، ويكون ذلك هو المقابل، بنفس الطريقة التي تماثل النظرة الاستراتيجية، لخط المواجهة في أوروبا، عقب الحرب العالمية الثانية، والتعبير عنها بمشروع مارشال.
إن العالم يتغير، وكثير من المبادئ المستقرة في الفكر السياسي العالمي، والتي تؤثر بالضرورة على السياسة الخارجية، يطولها التغيير بالفعل، وفي مقدمتها مفهوم الأمن القومي، والذي كانت الولايات المتحدة، في سنوات سابقة، تملك بمفردها إمكانات حمايته، باعتبارها القوة العظمى الأولى في العالم.
لكن ما حدث من تغييرات، والتي ظهر من خلالها تراجع نسبى في القدرات الأميركية على حسم القضايا في العالم عسكريا، وبروز قوى جديدة صاعدة، تحتل موقع المنافسة مع الولايات المتحدة، كل ذلك كان لابد وأن يدفعها إلى تبصر حقيقة معنى انتقال خط المواجهة نفسه شرقا، من موقعه التاريخي في الغرب، وأن تتخذ حياله، ما ترى أنه حماية لنفسها، ولأمنها القومي، أولا وقبل أي شيء آخر.

بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري