كتاب وأراء

كيف تقدمت أوروبا على العالم

قبل حوالي الألف عام، وتحديداً في عام 1000، كانت أوروبا اشد فقراً من الصين والهند. ولكن بعد تسعة قرون، في عام 1900 تغيّر الأمر، واصبحت أوروبا أكثر غنى بنسبة خمسة أضعاف من كل من الصين والهند.
فما الذي حدث؟
يجيب على هذا السؤال كتاب جديد للمؤرخ الأميركي جويل موكير، عنوانه «ثقافة النمو: مصادر الاقتصاد المعاصر».
يعتقد المؤلف انه يمكن اختصار الجواب في كلمة واحدة، هي الثقافة.
والثقافة عنده تشمل الاعتقادات، والقيم والخيارات. وفي رأيه ان هذه الأمور الثلاثة تغيرت في اوروبا بعد عام 1500، فغيّرتها.
هذا يعني ان الأوروبيين غيّروا ما بأنفسهم، فغيّر الله ما كان يحلّ بهم من فقر مدقع، ومن جهل مظلم.
كان هناك اعتقاد بأن استغلال الطبيعة (الثروات والمواقع..الخ) هو تغيير للصورة التي خلق الله الأرض عليها، وأرادها أن تكون عليها، وبالتالي فان التغيير هو تحد لإرادة الله!
وكان العلماء والمفكرون يخشون من أن يُتهموا بالزندقة والكفر ومن تجاوز التعاليم الدينية التي تقول بها الكنيسة، في تلك الفترة كانت أوروبا تغرق في بحر من الظلمات.. ولذلك كانت مجتمعاتها فقيرة ومريضة وجاهلة. بدأت الصورة تتبدل منذ العام 1500 ؛ فقد ازدهرت الأفكار وانطلقت الأبحاث والدراسات، وتشكل ما يصفه الكاتب «سوق الأفكار»، وخاصة تلك التي تتعلق بالعلوم.
في عام 1660 تأسس في لندن «نادي العلماء»، وكانت مهمته أو دوره تبادل العلوم والمعارف ؛ ومن أجل هذا الهدف أصدر النادي مجلة متخصصة لنشر الأفكار العلمية الحديثة في حينه، وترويجها ؛ مما ادى إلى إخراج النظريات العلمية من الدائرة المغلقة على العلماء إلى تعميمها وترويجها بين الناس لتصبح جزءاً من الثقافة العامة.
وكان شعار المجلة باللاتينية MULLIUS IN VERBA، ومعناها: «لا تصدق كل ما يقال» وذلك للتشكيك في صحة النظريات العلمية (؟) التي كانت تُنسب إلى الدين في ذلك.. والدين منها براء..
وتأسست في لندن ايضاً جمعية باسم «جمهورية الرسائل». لم يكن أعضاء الجمعية يعرفون بعضهم. تعارفوا من خلال كتاباتهم ودراساتهم. في ذلك الوقت ساعد اكتشاف المطبعة واستخدام البريد، في نقل أفكارهم وآرائهم، فتحولوا إلى دولة داخل الدولة.. وغيّروا المجتمع.
أسقط هؤلاء العلماء نظرية «البقر المقدس».. بمعنى انه لم يعد يوجد لا عالِم ولا رجل دين، فوق العقل والمنطق. فكل النظريات هي موضع دراسة من علماء آخرين. حتى ان نظرية العالِم البريطاني الشهير اسحق نيوتن كانت موضع طعن، واخضعت للمناقشة.
فتح هذا الاسلوب العلمي ابواب التنافس بين العلماء بحثاً عن الجديد في النفس الإنسانية وفي الكون الواسع. وهذه دعوات قرآنية في الأساس.
ويعطي المؤلف في كتابه، الفضل إلى الأديب الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561 – 1626) من حيث انه غيّر مسار البحث العلمي رغم انه لم يكن هو نفسه اختصاصياً في العلوم. وذلك من خلال دعوته إلى تحويل الدراسات العلمية من مجرد صياغة نظريات وتجميع حقائق وإثباتها، إلى توظيفها لخدمة الإنسان ولرفع مستواه. وكان يدعو إلى تسخير الاكتشافات العلمية لإنتاج اشياء غير موجودة تخدم الإنسان.. وتساعد على فتح آفاق لاختراع ما هو ليس موجوداً، أو معروفاً. غير ان ثمة سؤالاً يطرح نفسه، وهو لماذا تمكنت أوروبا من تحقيق هذا التحول الثقافي دون غيرها، وتحديداً، دون الصين والهند، رغم ان لكل منهما حضارة قديمة تضرب في عمق التاريخ؟.
واستمرت حركة التغيير الثقافي حتى أدرك الحكام انهم لم يعودوا قادرين على التصدي لها، أو على إغلاق الأبواب في وجه روادها. أما في الصين –وحتى في الهند- الدولة الكبيرة المترامية الاطراف، فإلى اين يلجأ المفكر بفكره؟
عرف العالم الإسلامي هذا الامر عندما كانت الدولة الإسلامية تمتد عبر قارتي آسيا وأوروبا (وشمال افريقيا) ولم تكن دولة مركزية واحدة. ولذلك كان العلماء المسلمون الذين يواجهون اضطهاداً في مكان ما، يلجؤون إلى مكان آخر من الدولة، حيث يجدون التشجيع والرعاية. وكانوا من أوائل العلماء الذين تحدّوا المسلّمات المطلقة واستجابوا للتحريض القرآني على البحث عن الحقائق والمعارف في النفس وفي الكون.
في تلك الفترة كان العالم الإسلامي يتقدم ليس على الهند والصين فقط، ولكنه كان يتقدم على أوروبا ايضاً.
لقد غيّر الأوروبيون، ومن بعدهم الهندوس والصينيون ما بأنفسهم، فغيّر الله بما بهم.. فمتى يعمل المسلمون بهذه الدعوة القرآنية إلى التغيير؟.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك