كتاب وأراء

طريق وحزام الحرير .. من المستفيد ؟

منذ حوالي عام وبالتحديد في 18 و11 و25 من مايو 2016 نشرنا لقراء هذه الجريدة سلسلة مقالات عن الصين بعنوان «النموذج الصيني في التنمية: كيف تحقق؟» و«لماذا سينخفض معدل النمو الصيني؟» والصين والتخطيط: اين ذلك المليار؟» على وجه الترتيب. شرحنا في هذه المقالات نموذج النمو الصيني الذي وصلت بمقتضاه الصين إلى موقعها الحالي كأكبر ثاني اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة.
كما شرحنا كيف خططت الصين لهذه المعجزة بحرفية وفهم اقتصادي واعى أستغل ما تعتبره حكوماتنا عوامل ضعف (كزيادة حجم السكان) وحولته إلى ميزة نسبية أساسية في نموذجها التنموي الخاص. هذا كما توقعنا في هذه المقالات أن معدلات النمو الصينية المرتفعة ستنخفض وأنها لن تعود لسابقتها (18-19 %) ومن ثم يجب التعايش مع المعدلات الحالية (5-7 %) لفترة طويلة قادمة. في هذه المقالة سنحاول أن نوضح أن الصين تقوم حاليا بمشروع تنموي اخر هو «طريق وحزام الحرير» والذي تخطط له منذ أمد ليس قصير بهدف الحفاظ على معدلات نمو ناتج قومي معقولة لا تنحدر إلى الواحد أو الاثنين بالمائة الذي تعاني منه الاقتصاديات الغربية منذ خمسة عقود تقريبا كما تهدف إلى نقل وتحويل الثقل الاقتصادي العالمي من الغرب إلى الشرق ووضع الصين كمحور اقتصادي للعالم بديلا عن الولايات المتحدة الأميركية.
في وقت لاحق من هذا الشهر، سيستضيف الرئيس الصيني «شي جين بينغ» قمة لقادة الخمسة والستين دولة الذين وافقوا على المشاركة في مبادرة «حزام واحد، طريق واحد». هذا المشروع الصيني الرائد سيوجه مليارات الدولارات للاستثمار في البنية التحتية في جميع أنحاء آسيا، أفريقيا، وأوروبا. الصين تبيع المشروع لدول العالم النامي على انه حاضنة للمشاريع التنموية في هذه البلاد وان هذا المشروع على شاكلة مشروع «مارشال» الذي تبنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة اعمار أوروبا.
وتقوم مبادرة الحزام والطريق (كما تعرضها الصين) على أهمية الربط المادي للبنية التحتية للدول المشاركة فيه. وتؤكد الصين أن البنية التحتية تعزز الإنتاجية وتحفز الاستثمار وتخفض تكاليف التجارة. ومع وجود قنوات فعالة لتبادل السلع وشبكات المعلومات، تتسارع معدلات النمو، وتزداد الفرص الاقتصادية، وتتقلص التفاوتات في الدخول. وتؤكد الصين على أن هذه البنية التحتية يمكن بناؤها بطريقة فعالة واقتصادية. والمفتاح هو الجهود التعاونية التي تستغل الميزة النسبية لكل بلد، سواء كانت رأس المال، أو الخبرة التكنولوجية، أو القدرات اللوجستية أو المواد الخام، أو حتى السلع الصناعية. ومن ثم يمكن لهذه المبادرة ان تدفع عجلة التنمية في البلدان ذات الدخل المنخفض، وأن تساعد الاقتصادات الناشئة على تجاوز مصيدة دول الدخل المتوسط لتنتقل إلى دول الدخل المرتفع.
ولكن إذا نظرنا بإمعان فيما هو متاح من تفاصيل بشأن مبادرة الحزام والطريق نجد الاتي: اولا ان الصين التي تعاني الآن من انخفاض معدلات النمو لأسباب عديدة وهم يعلمون أن أيام المعدلات المرتفعة (أعلى من 10 %) قد ولت ومن ثم يحاولون بشتى الطرق إيجاد فرص تشغيل ونمو جديدة تستخدم هذا المشروع ليعوض جانبا من التناقص الحادث في النمو وليجعل عملية «الهبوط ناعمة».
ثانيا: الصين تريد لشركاتها أن تقود عملية البناء والتشييد وبخاصة في المجالات التي لها فيها مزايا نسبية كصناعة السكك الحديد والمترو والقطارات فائقة السرعة ومعظم مشاريع البنية التحتية. وعلى حد حد تعبير جيفري ساكس، الاقتصادي الأميركي المشهور، ان الصين أثبتت فعاليتها العالية في بناء هياكل أساسية كبيرة ومعقدة تكمل رأس المال الصناعي .
ثالثا: أن الصين تريد ان تقوى من الدور الذي يلعبه «اليوان الصيني» كعملة رئيسية عالمية بما في ذلك من نفع ريعي يعود عليها ومن ثم الطريق والحزام يمكنه أن يجعلها لاعب رئيسي في عمليات التمويل العالمي وتقوم البنوك الصينية الآن بتمويل مشروعات وتقديم قروض للدول الواقعة على الحزام والطريق.
وهكذا يتضح ان الصين هي المستفيد الرئيسي والأساسي من المشروع مما سيضمن لها في حالة نجاح المشروع بأن تكون الاقتصاد الأول في العالم وتنتزع الصدارة وبجدارة من الاقتصاد الأميركي. ما هو دور الدول العربية من المبادرة؟ وكيف يمكن ان تستفيد منها؟..هذا هو موضوع المقالة القادمة.

بقلم :أ.د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي