كتاب وأراء

التنوير ولغة الشتائم

يعيد ما قاله الدكتور يوسف زيدان في برنامج (كل يوم) على إحدى القنوات المصرية، قبل أيام، عن القائد صلاح الدين الأيوبي ودخوله إلى مصر وفرضه، بقوة السيف، المذهب السني على الفاطميين، سردية التاريخ العربي من كتبه حتى وصل إلينا على هذا الشاكلة، ومن سيكتبه الآن، والأمة العربية تمر بأسوأ أوقاتها على كافة الأصعدة، بما تجاوز عصور الانحطاط بدرجات بعيدة..
لست هنا بوارد إعادة ما قاله الدكتور زيدان في حديثه، إذ تم إشباع قوله أخذا وردا بما يكفي، ولكن ربما نجد في ما قاله زيدان مناسبة للحديث عن التنوير الاجتماعي، الذي يبدو أن لا حل لأزمات بلداننا وشعوبنا من دونه، والحديث عن التنوير يستدعي العودة إلى الماضي المؤرخ، إذ أن جزءا كبيرا مما نحن فيه هو بسبب نكوصنا إلى الماضي، وعدم قدرتنا على التواصل مع المستقبل بما يجعلنا مساهمين في رفد الحضارة البشرية بما يحفظ الكوكب الذي نعيش عليه من التلف والانهيار.
من نافل القول أن التاريخ يكتبه المنتصرون والأقوياء، وأن التاريخ نفسه لا ينحاز لا للمظلومين ولا للضعفاء، يذكرهم كطرف متمم لسيرة الأبطال والقادة المنتصرين، هؤلاء الذين يصبحون مع الزمن رموزا وأيقونات شبه مقدسة، لا يجوز المساس بها أو الاقتراب منها.
ومن نافل القول أيضا أن الأنظمة السياسية الاستبدادية تدعم فرضية الماضي المؤرخ بوصفه الحقيقة الوحيدة التي يجب على الشعوب الثقة والإيمان بها، والتمسك برموزها، فهي ترى أن الضمان الوحيد لاستمرارها في التاريخ هو في لي عنق الزمن والشعوب وجعلها قابعة هناك، هكذا يصبح زمن هذه الأنظمة عظيما في المستقبل، طالما حاضر شعوبها على هذا القدر من البؤس.
هكذا أيضا سيتحول زعماء هذه الأنظمة إلى أيقونات ورموز لا يجوز المساس بها لا الآن ولا في المستقبل، وعقاب المساس بها نتيجته ما نراه اليوم في بلادنا العربية، ونتيجته أيضا المزيد من التحالفات السرية والعلنية بين هذه الأنظمة وبين المؤسسات الدينية على اختلافها، فهذه المؤسسات هي أدوات تستخدمها الأنظمة لجعل الماضي بكل ما فيه هو المرتجى لشعوبنا.
إذن، في وسط هذه الدائرة المغلقة، كيف يمكن الحديث عن التنوير؟! هل الخروج على الفضائيات وشتم من تراه الشعوب رمزا مقدسا يسهم في حركة التنوير؟!
يقينا، إن شيئا كهذا ستكون نتيجته معاكسة تماما لما كان يرجى منه، وربما زاد في تمسك الشعوب المغيبة أصلا بغيبيات بائسة، وأعطى للمتطرفين المستفيدين من واقع الحال مبررا كافيا لوصم كل من ينتقد التاريخ بالكفر أو الإلحاد أو التآمر مع الغرب «الكاره للإسلام ولتاريخه وشعوبه»، عصر الأنوار بدأ في أوروبا كحركة متكاملة فكرية وسياسية واجتماعية وثقافية، استطاعت فك سيطرة الكنيسة عن السلطة، بعد تاريخ من الدم والثورات، أما بلادنا فتحتاج أولا إلى فك سلطة الأنظمة عن الشعوب، وإلى إزاحة كل هذه الأنظمة التي حولتنا إلى مجرد أرقام لا قيمة لها لا زمنيا ولا إنسانيا.
الخلاص من الاستبداد برموزه العسكرية والأمنية والاقتصادية، سيفكك تلقائيا المؤسسات الدينية والمرتبطين بها، فعلى مدعي التنوير الكف عن كيل الشتائم للتاريخ ورموزه فهو لن يجدي شيئا، والالتفات إلى كوارث الحاضر التي تكرس هذا التاريخ بوصفه مثلا يحتذى به.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران