كتاب وأراء

ذكاء للبيع

بسبب التطور العلمي الرهيب الذي يشهده العالم اليوم ويتغير بسببه إيقاع الحياة وتتجدد على فترات متقاربة فتمتلئ الوجوه بالدهشة ويعجب الإنسان بقدرات الإنسان، بسبب ذلك يهتم العلماء بترديد مقولة ملخصها «في الماضي لم يكن بإمكاننا سوى التعجب لظاهرة الذكاء النادرة، أما في المستقبل فسنكون قادرين على التحكم فيها حسب رغباتنا». دليلهم على هذا القول هو ما يتوفر اليوم من تطبيقات تسببت في تسهيل حياة الناس والارتقاء بهم وبمجتمعاتهم، فاليوم لا يحتاج المرء إلى الوقوف في طوابير أمام موظف الصندوق بالبنوك مثلا بل وصل الأمر حد أن يتابع حركة حسابه وهو متكئ على الأريكة حيث يقيم، واليوم بإمكانه أن ينجز الكثير من المعاملات الحياتية «اون لاين» وبضغطة زر، واليوم تستفيد المجتمعات من كثير من التطبيقات التي منها ما ينتشر حاليا عن التوصل إلى اختراع خاتم تضعه المرأة في إصبعها يحميها من التحرش.
أجهزة ذكية أخرى كثيرة يستفيد منها الإنسان اليوم لعل أسهلها البطاقة الشخصية التي يحملها في جيبه وتتضمن كل المعلومات الشخصية عنه وبما يوفر عليه وعلى العاملين في مختلف الجهات التي يقوم بمراجعتها الكثير من الوقت والجهد. أما الغد فالناس فيه موعودون بمخترعات جديدة من شأنها أن تسهل عليهم حياتهم فيتوفر لهم من الوقت ما يمكن أن يزيد من فرص الاستمتاع بالحياة والإبداع.
ولأن بعض الأفكار التي تشغل بال العلماء اليوم ويتم تبادل الأخبار عنها غريبة لذا يصعب على المرء حتى تخيلها، منها على سبيل المثال السعي إلى التوصل إلى تكنولوجيا تتيح الانتقال بالسيارات بين المدن المتباعدة من دون قيادتها ومن دون تعب أو استهلاك للوقود ومن دون تلويث للبيئة ومن دون حوادث مرورية ومخالفات، ومن دون إضاعة كثير من الوقت طبعا. أما الفكرة فملخصها وضع مجسات في أماكن محددة في الشوارع الطويلة تجعل السيارات تقف على مسافة واحدة من بعضها البعض (ست أقدام بين السيارة والأخرى) بينما يقوم الشارع – لا السيارات- بالتحرك من مكانه فينقل ما عليه من سيارات ثابتة لا شغل لركابها غير تبادل الأحاديث والاستمتاع بالمناظر على جانبي الطريق إلى النقطة المقصودة، أي أن الشارع يصير مثل السفينة التي توصل ما تحمله من سيارات وبضائع من مكان إلى مكان.
هذا الأمر صعب تخيله ولكنه في الواقع تجاوز مرحلة التخيل عند العلماء وقد لا يكون موعد الإعلان عن تحققه بعيدا، فالإنسان الذي يوشك على إطلاق التاكسي الجوي ليستفيد منه رجال الأعمال ويهربوا من الزحام فيكسبوا الوقت الذي يمكن أن يكسبهم المال، والإنسان الذي يوشك على الإعلان عن التوصل إلى تقنية تخفض الزمن المستغرق في الانتقال بين بلدين بالقطارات إلى أقل من ربع الزمن المستغرق حاليا بالاستفادة من المغناطيس، والإنسان الذي يوشك على الإعلان عن مخترعات غريبة عجيبة، ليس كثيرا عليه الإعلان عن ترجمة ذلك الحلم إلى حقيقة، فالذكاء لم يعد نادرا ولعله يصير بعد قليل بضاعة تباع وتشترى.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن