كتاب وأراء

منهج عمل لمواجهة التحديات

في خطاب جامع أمس لا أقول كل كلمة فيه توزن بميزان الذهب، ولكن أقول توزن بميزان الألماس، تفضل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، فافتتح منتدى الدوحة في دورته السابعة عشرة، الذي ينعقد تحت شعار «التنمية والاستقرار وقضايا اللاجئين» وذلك بحضور كوكبة من رؤساء الدول والحكومات وصناع القرار والسياسيين والخبراء والأكاديميين الذين توافدوا على الدوحة في محاولة مخلصة لرسم مستقبل أفضل للبشرية والشعوب المضطهدة.
في هذا الخطاب الذي يعد وثيقة تاريخية على درجة بالغة من الأهمية، وخريطة طريق لحل الكثير من الأزمات العالمية وفي مقدمتها أزمة اللاجئين، وضع سموه يده على كلمة السر التي تفتح آفاقا رحبة وتبشر بعهود جديدة من الخير لشعوب طالما عانت من الجور والاضطهاد والتهجير واللجوء إلى أوطان غير أوطانهم بحثا عن ملاذات آمنة، ألا وهي التنمية ولكن بمفهومها الواسع، وحدد سموه بوضوح وجلاء ما تستهدفه هذه التنمية في عدة نقاط هي النهوض بالإنسان، وتحقيق الاستقرار للمجتمع، والحكم الرشيد، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد والظلم، وإعلاء وترسيخ القيم الإنسانية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة وعدم التهميش أو الإقصاء الديني أو الطائفي.
فلو أن هذه القيم مأخوذة بعين الاعتبار لدى الكثير من الأنظمة التي مارست القمع والاضطهاد والاستبداد ضد شعوبها ما كانت مشكلة اللاجئين بهذا الحجم الذي نراها عليه اليوم، فالإنسان الحر الطبيعي يأبى العيش في ظل الاضطهاد والقمع وغياب العدالة، وهذه العوامل من الأسباب الرئيسية لتفاقم مشكلة اللاجئين كما أشار سموه حفظه الله.
هذه الرؤية الثاقبة تعبر عما تتمتع به دولة قطر من سجايا حميدة ومواقف إنسانية عديدة تتخذها لتخفيف الأعباء عن اللاجئين حول العالم الذين اضطرتهم نوازع الظلم في بلادهم إلى مغادرة أوطانهم، وسط تقصير وتجاهل من المجتمع الدولي، الذي نفض يده عن توفير الآليات اللازمة لحماية هؤلاء اللاجئين والدفاع عن حياتهم وحقوقهم، طبقا للقوانين الدولية الإنسانية في زمن الحرب أو السلم، أما دولة قطر فقد أبت إلا أن تعلي من شأن القيم الإنسانية والالتزامات الأخلاقية تجاه هؤلاء اللاجئين، وضمن هذا النهج يأتي انعقاد هذه الدورة لمنتدى الدوحة.
أشار سمو الأمير إلى أننا «نميز مسألة اللاجئين لأنها ناجمة بحكم تعريفها عن فعل سياسي سواء أكان حروبا أم عمليات اقتلاع وتهجير قسري»، ولأن قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى، تضعها قطر على قمة أولوياتها استهل سمو الأمير بها عندما أراد أن يذكر أمثلة على أكثر الشعوب معاناة من التهجير مشيرا إلى أن تشريد اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 في النكبة الفلسطينية التي تصادف ذكراها هذه الأيام، يصح فيها القول إن قضية فلسطين بدأت بوصفها قضية شعب اقتلع من أرضه وشرد من وطنه، كما نبه سموه إلى خطورة عمليات التهجير الطائفي كونها غيرت من الطبيعة التعددية لمجتمعات عربية عريقة ضاربا على ذلك مثلا بعمليات تهجير المسيحيين العراقيين، وأفاض في الحديث عن حالة الشعب السوري الشقيق الذي عاش قصصا مأساوية من المعاناة على يد النظام هناك يشيب من هولها الولدان وتتواصل عمليات تدميره وتشريده حتى وصل عدد اللاجئين السوريين إلى خارج سوريا إلى خمسة ملايين لاجئ.
لن استطرد كثيرا في الحديث عن هذا الخطاب الجامع فهو رسالة واضحة وجلية من سموه -حفظه الله- مفادها أن التنمية والاستقرار عاملان متلازمان، فلا تنمية بلا استقرار ولا استقرار بدون تنمية وكأنه يقول: اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.
من الإنصاف ونحن في معرض الحديث عن هذه الدورة أن نشيد بمنتدى الدوحة الذي أكد حضوره الدولي بجدارة من خلال دوراته منذ انطلاقه في تقديم الاقتراحات والأفكار والرؤى الإبداعية غير التقليدية لحل المشكلات، ومواجهة التحديات العالمية التي تعوق مسيرة التنمية والاستقرار، من خلال كوكبة من صناع القرار والسياسيين والخبراء والأكاديميين ومسؤولي المؤسسات العالمية المختلفة، وليس أدل على ذلك من الدورة الحالية التي يتحدث فيها عدد من رؤساء الدول ورؤساء الحكومات والمسؤولون في الكثير من المنظمات الدولية والخبراء حول مجموعة من قضايا الساعة التي تؤثر في المشهد العالمي.
كما أن العناية التي تم بها اختيار موضوع الدورة يؤكد أن أطروحات المنتدى ذات إسهام كبير في الجهود العالمية التي تبذل لتحقيق التنمية والاستقرار اللذين يشكلان الدعامة الأساسية لتطوير الدول والمجتمعات.
هذه هي قطر وهذا هو دورها المؤثر عالميا تؤكد يوما بعد يوم أنها فعلا قوة للخير والسلام وتنشد للجميع الأمن والأمان وبأننا تعودنا على النجاح الكامل في كل خطواتنا والله الموفق.

بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي