كتاب وأراء

النقاش مع رجل لا يتحلى بفضيلة التردد

ـ هل لديك أفكار معينة حول ما حدث؟
ـ أفكار؟!
ـ هل راودتك أفكار؟ أفكار حول أهمية أن تكون شجاعا؟
ـ لا
ـ لا ماذا؟ ألا يوجد لديك أفكار؟!
ـ لا، تخص الجزء الأول من السؤال.. لكن بالطبع لدي أفكار.
ـ فهمت، إذا أنت تقول إن لديك أفكارا، لكن أيا منها لا يتعلق بكونك شجاعا..
ـ الأمر ليس بهذا التعقيد، ببساطة أنا لدي أفكار، وأفكار كثيرة أيضا، وفي أمور مختلفة، لكن لا أتذكر أنه خطر لي فكرة حول اكتشاف أو إثبات ما إن كنت شجاعا أم لا ذلك اليوم.
ـ لا تتذكر، أم لم يحدث أن راودتك أفكار حول هذا الأمر؟
ـ لا أذكر. ثم إن الأمر حدث فجأة، حتى لو كنت أمتلك أفكارا من هذا النوع، ذلك اليوم لم يُتح لي الاختيار من بينها، فالأمر كما أخبرتك تم بسرعة
ـ بسرعة لم تجعلك تتردد؟
ـ نعم صحيح.
ـ لكن ألست معي أن هذه المواقف التي لا تسمح لنا بالتردد مواقف لا يمكن أن نقيس من خلالها مدى شجاعتنا؟
ـ مع أني لم أفهمك، إلا أنه عليّ أن أخبرك بأني لم أفكر بقياس أي شيء حينها.
ـ صحيح وقتها ربما، لكن تاليا؛ نحن نعيد تذكر بعض الأحداث، ومن خلالها نستطيع تقييم مواقفنا، واكتشاف مدى شجاعتنا في اتخاذ بعض الخطوات.. لكن في حالتك نستطيع استثناء هذا الأمر، فأنت كما تقول لم تكن مترددا.
ـ نعم لم أكن مترددا.
ـ عدم ترددك كان في مصلحة الرجل الآخر.
ـ وهذا يعني؟!
ـ هذا يعني أنه كان أمرا جيدا بالنسبة له ألا تظهر ترددا.. لكن بالنسبة لك يختلف الأمر قليلا.
ـ يختلف في أي اتجاه؟
ـ قلت لك، نحن نستثمر مواقفنا في حساب مدى شجاعتنا. وطالما أن عدم التردد لا يترك مجالا للتفكير، ويجعل أكثر الرجال شجاعة على قدم المساواة مع أكثرهم خوفا، إذ إنهم وفي المواقف التي لا تسمح بالتفكير يتخذون نفس الخطوات.
ـ وهذا يجعل مني رجلا غير شجاع؟
ـ لا هذا الأمر لا يمنحك حق التفاخر على الأقل، لا يجعلك تستخدم ما حدث اليوم كمقياس.
ـ أفهم من هذا أن التردد ينتج عن تفكير، ومحصلة التفكير في النهاية تحدد ما إن كنت شجاعا أم لا.. على حسب ما تتخذه من خطوات لاحقا.
ـ ها أنت بدأت في الفهم.. عندما تتردد هذا يعني أنك فكرت مليا، خطوتك التالية تحدد مدى شجاعتك
ـ هذا يعني أن خطئي الوحيد ذلك اليوم أنني لم أكن مترددا.
ـ لا، لا نستطيع القول إنك ارتكبت خطأ، أو هذا ما يفكر به الرجل الآخر على الأقل.
ـ لو استطعت إعادة الأحداث، ما الذي كان علي فعله كي لا أصل لهذه النتيجة؟
ـ حتى لو استعدت الأحداث مليون مرة، لن تستطيع الوصول إلا لهذه النتيجة.. العيب لم يكن منك، إن كان هناك عيب في ما حدث، المشكلة في الموقف نفسه.
ـ الخلاصة أنه وبينما كنت أخاطر بحياتي، لم يكن الأمر ليختلف حتى لو كان موجودا بدلا مني هناك أكثر رجال المدينة خوفا.. الأمر يشبه السقوط؛ لا نستطيع أن نقيس به أي شيء.
ـ لا، الأمر أسوأ من السقوط.
ـ كيف..؟!
ـ نحن نستطيع أن نقيس من سقطة الرجل أمورا كثيرة.
ـ مثل..؟!
ـ عندما يسقط أحد فهذا يعني أنه كان مشغولا بأمر ما، كان حزينا، أو غاضبا، نستطيع أن نقيس عدم انتباهه لو تعثر فقط، لو تعثر واستطاع الاستناد على يديه قبل أن يقع، أو لو تعثر وسقط تماما على الأرض. تقريبا، أنت لو ترددت قليلا فقط لأصبح بمقدورنا قياس مدى شجاعتك.
بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد