كتاب وأراء

قبل الإعدام

أحياناً تأخذك المناوشات بينك وبين زملائك في العمل، إلى أقصى الأحاديث طرافة وتشويقاً، أو إلى طرق متشعبة ومتعبة، لتعود وتسأل نفسك «كيف وصل الحال بنا إلى هذه البقعة من الحديث؟»، ولكن ما يحدث هو أنك تلتقط طرف آخر الأحاديث، وتبدأ في بناء نقاش جديد مختلف عما بدأت به، وهذا ما يجعل الأحاديث متنوعة وغير مترابطة، وقبيل أيام حملتني مثل هذه الأحاديث إلى ساحة مختلفة من النقاشات، بدأنا في ترتيب وتوزيع الأعمال وانتهينا بالحديث عن السجون والقتلة، حيث تطرق أحد الزملاء عن الوحدة، وانتقل عقبها للحديث عن بر الوالدين، وانتهى به المطاف في تذكر حكاية مقتل المرأة المسنة في بيتها، والتي أصرت على البقاء في قريتها، رافضة الانتقال مع ابنها الوحيد إلى المدينة، وكانت تقضي أوقات نهارها عند باب البيت، تتمتع بالطقس والشمس والحديث مع المتجولين من البائعين وسكان الحي، حتى افتقدها ذات يوم الجيران وأثارت غيبتها الشكوك، وفضلوا اقتحام البيت والبحث عنها، ولكن يا للأسف وجدها الجيران غارقة في دمائها، أثر قتلها طعناً بالسكين.
بعد تحريات أجهزة الأمن، تم الكشف عن القتلة وهما شابان مراهقان، اقتحما بيت السيدة المسنة من أجل سرقة أموالها، ولكنهما لم يجدا سوى 67 ديناراً فقط لا غير بحوزتها، أي ما يقرب من 350 ريالاً قطرياً، أما دواعي قتلها، كما تناقله الناس وأشاعوه فيما بينهم، أن القتيلة يرحمها الله كانت قد تعرفت على القاتلين بالاسم، وهذا ما أقلق المراهقين الصغيرين ليقتلاها، فتم الحكم بالإعدام على الشاب الأول، بينما حُبس الأخير لصغر سنه.. سأل زميلي أحد المشرفين على الإعدام وقد كان جاراً لهُ، ترى ماذا قال فلان قبل أن يُعدم؟ أجابه بأنه صرخ مكرراً وزاعقاً بأنه بريء، فرد عليه الزميل: ألربما يكون فعلاً بريئاً؟ فقال له: كل القتلة يقولون ذلك، إنهم لا يكفون عن الصراخ بأنهم أبرياء، لكنهم في الحقيقة قتلة.
وهذا ما دعاني للبحث عن آخر الكلمات التي قالها المحكوم عليهم بالإعدام، فوجدت على سبيل المثال أن آخر ما قاله أسد الصحراء عمر المختار، والملقب بشيخ الشهداء، «نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا... فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي»، أما آخر كلمات تشي جيفارا لجلاده، «أنا أعلم أنك جئت لقتلي، أطلق النار يا جبان، إنك لن تقتل سوى رجل»، وقال نيد كيلي قبيل إعدامه: «هذه هي الحياة»، ويعتبر كيلي بطلاً شعبياً في استراليا، لكنه ارتكب جرائم قتل متعددة قبل إعدامه في عام 1880م عن طريق الشنق، أما جيفري داهمر فقد كانت آخر كلماته: «لا يهم إذا كنت سأعيش أو أموت، اقتلني ولا تكترث لشيء»، وكان داهمر قد روع الناس في جميع أنحاء الولايات المتحدة، حتى ألقي القبض عليه بتهمة الاغتصاب وقتل 17 رجلاً، كما شملت جرائمه أكل لحوم البشر، وقد تعرض جيفري للضرب حتى الموت، على يد زميله في الزنزانة في عام 1994.

بقلم : سارة مطر

سارة مطر