كتاب وأراء

طفرة في علاقات الهند بدكا وكابول .. كيف ولماذا؟

في الماضي كانت القوى العظمى هي التي تستخدم المساعدات والقروض لجذب الهند إلى تحالفاتها الإقليمية.. أما اليوم فيبدو المشهد معاكساً.. وبعبارة أخرى صارت الهند هي التي تستخدم المعونات لتشكيل تحالفات في محيطها الاستراتيجي.
حتى مطلع تسعينيات القرن العشرين لم تكن الهند قادرة على الاضطلاع بهكذا دور. فخزينتها كانت خاوية، وصادراتها كانت غير قادرة على جلب عملات صعبة كثيرة، وبوصلتها كانت موجهة نحو موسكو باعتبارها حليفة استراتيجية لا غنى عنها في الحالات والأزمات الحرجة.. أما حركة عدم الانحياز فقد تحولت مع المتغيرات الدولية إلى مجرد يافطة مفرغة من معناها، خصوصاً منذ أن تبين للهنود أنها عاجزة حتى عن تقديم دعم معنوي لبلدهم في أكثر من حدث كانت فيه الهند طرفاً.
لقد لوحظ منذ بعض الوقت أن حكومة رئيس الوزراء «ناريندرا مودي» تعمل على جبهتين، أولاهما الجبهة الأفغانية، حيث انعدام الاستقرار والإرهاب المدعوم من الخارج والميليشيات المروجة للفكر المتشدد عبر استغلال حاجة البسطاء والمعدمين.. أما الجبهة الثانية فهي الجبهة البنغلاديشية، حيث الوضع لا يختلف كثيراً عن الوضع الأفغاني لجهة انتشار الفقر والأمية والتشدد المقترن بالإرهاب.
ولما كانت الأوضاع الأمنية في هذين البلدين لها انعكاسات مباشرة على الهند، ولما كانت سياسات مودي تقوم على مبدأ أن الإرهاب والتطرف والخروج على الدولة لا ينجح إلا في المجتمعات الموبوؤة بالفقر والقلق والإحباط واليأس، فقد سارعت نيودلهي إلى تقديم مساعدات إنمائية ببلايين الدولارات إلى حكومة أشرف غني في كابول وحكومة حسينة واجد في دكا من أجل المساهمة في تحسين الأحوال المعيشية لشعبيهما وتوفير مختلف الخدمات ومرافق البنية التحتية، وأيضاً لتحقيق هدف آخر هو قطع الطريق على دول أخرى معادية أو منافسة للهند لبناء نفوذ في هذين البلدين.
فإذا ما أردنا استعراض ما قدمته نيودلهي لكابول، نجد أن حكومة مودي أضافت الكثير إلى ما سبق أن قدمته حكومة سلفه من معونات، ورسخت الطبيعة الودية لعلاقات البلدين التي لم تتأزم قط إلا في عهد طالبان. وهكذا صارت الهند سادس أكبر مانح لأفغانستان منذ 2001 بسبب تقديمها نحو 2.3 بليون دولار في قطاعات الاقتصاد والخدمات الحيوية والأمن والبنى التحتية وتدريب آلاف الأفغان في المجالات المدنية والعسكرية والأمنية.
ومؤخراً وافقت الهند من بعد تردد طويل، على الاستجابة لطلب من حكومة كابول لتزويدها بالسلاح.. حيث من المقرر أن توفر الهند للجيش الأفغاني أربع مروحيات هجومية من نوع MI- 25، كمرحلة أولى تليها تلبية قوائم أخرى بالأسلحة المطلوبة.
أما فيما خص الاهتمام الهندي ببنغلاديش، فنجد أوضح تجلياته في الزيارة التي قامت بها الشيخة حسينة واجد إلى نيودلهي في مطلع الشهر الماضي، والتي تم على هامشها إجراء محادثات أثمرت عن توقيع 22 اتفاقية ثنائية. ولعل أبرز هذه الاتفاقيات اتفاقية ائتمانية بقيمة 4.5 بليون دولار لصالح دكا لتطوير مشاريعها في مجالات البنية التحتية، واتفاقية قرض ميسر لبنغلاديش بقيمة نصف بليون دولار من أجل شراء معدات عسكرية (الأولى من نوعها بين البلدين)، واتفاقية للتعاون النووي في مجال الاستخدامات المدنية، ناهيك عن اتفاقيات حول التجارة البينية التي للهند فيها اليد الطولى بسبب ضخامة الاقتصاد الهندي وتنوعه وجودة منتجاته مقارنة بالسلع البنغلاديشية، إضافة إلى كون الهند أحد أهم مصادر الواردات البنغلاديشية.
والمعروف أن العلاقات البنغلاديشيةــ الهندية شهدت تحسناً ملحوظاً منذ عام 2015 حينما أنهى البلدان نزاعاً حدودياً بينهما بإبرام اتفاقية تم بموجبها تبادل قطع من الأراضي والجيوب الواقعة على حدودهما الدولية الممتدة بطول 4100 كيلومتر.. والمعروف أيضاً أن حكومة مودي، على العكس من حكومة سلفه، جعلت من التعاون مع دكا وإغداق المساعدات الإنمائية والدفاعية عليها هدفاً لقطع الطريق على بكين التي برزت منذ سنوات كمزود للجيش البنغلاديشي بالدبابات والفرقاطات والمقاتلات ومنصات إطلاق الصواريخ (ومؤخرا الغواصات)، وأيضاً كهدف لترغيب حكومة دكا في التعاون البناء في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب العابر للحدود وملاحقة الجماعات الدينية المتطرفة والمتاجرين بالمخدرات والعقاقير والبشر.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني