كتاب وأراء

السودان.. أزمات قديمة ووزراء جدد


- 1 -
أكاد أجزم، لا توجد دولة يتم فيها اهتمام ومتابعة كبيرة بتشكيل الحكومات واختيار الوزراء مثل ما يحدث في السودان.
المفارقة الغريبة أن التشكيل الوزاري يجد متابعة أكثر من نتائج الانتخابات وأي أحداث أخرى.
أصبح سقف التطلعات مفتوحاً على مصراعيه أمام كل شخص له الرغبة في الترقي السياسي بغض النظر عن إمكاناته ومؤهلاته.
السلاح والانتماء الجهوي والقبلي يحققان ما لا تحققه الشهادات والسير الذاتية المرصعة بالإنجازات والمؤهلات الأكاديمية.
كنت أقول دائمًا إن الحرس الذي يقف خلف وزير ما قد يكون لديه طموح وتطلع أن يجلس في مكانه، فهو يرى في قرارة نفسه أنه لا يقل شأناً عن من يحرسه!

المسألة باتت مفتوحة على كل شيء، والتطلعات غير موضوعية ومطلقة، ولا يوجد نظام معياري لحسم التنافس وتحديد آليات الترقي السياسي.
-2-
أضحكني المؤرخ والكاتب السوداني بروفسير عبد الله علي إبراهيم وهو يعلق قبل سنوات على حوار صحفي تم فيه تعريف المحاور ـ وهو واحد من القيادات الوسيطة بإحدى حركات دارفور ـ بأنه خاطف طائرة الفاشر الشهيرة!
دكتور عبد الله بسخريته المحببة علق: (في الماضي كان يتم تعريف السياسيين بنشاطهم في اتحادات الطلاب الجامعية؛ كان رئيس اتحاد جامعة الخرطوم، أو رئيس المجلس الأربعيني، أو أحد قادة ثورة أكتوبر أو إبريل، الآن أصبحوا يعرفونهم باختطاف الطائرات)!
الأزمة مركبة وذات بعدين:
المناصب السياسية أضحت لديها قيمة مادية ومجتمعية عالية، وإلا كيف نفسر تكالب وتسابق كبار الأطباء والمحامين على مقاعد مجلس الوزراء؟!
أعرف طبيباً كبيراً ناجحاً في عمله ورغم ذلك يطمح بأن يصبح وزيراً ولو في ولاية طرفية!
-3-
ربما كان الحل الأمثل لهذه الظاهرة السالبة، خفض القيمة المادية والاجتماعية للمنصب السياسي لتقل جاذبيته إلى الحد المعقول، حتى لا يغري محدودي القدرات ولا أصحاب التميز المهني بترك مهنهم متفرغين للعمل السياسي.
في مقابل ذلك تتم تقوية أجهزة الدولة الخاصة بالخدمة المدنية والعسكرية حتى تُغني شاغليها عن التفكير في المقاعد الوزارية، السياسيون دائماً هم نجوم المجتمعات المأزومة!
في بريطانيا ظل ديفيد كاميرون رئيس الوزراء يستقل مترو الأنفاق في حركته من المنزل إلى المكتب.
وفي روسيا حرص وزير الخارجية سيرغي لافروف، على استقبال نظيره الأميركي جون كيري، بسيارة روسية قديمة أُنتجت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م.
حتى في الدول القريبة للسودان، إثيوبيا وإريتريا، تجد الوزراء يمارسون حياتهم دون مظاهر سلطوية تُمَيّزهم عن غيرهم من المواطنين.
-4-
قبل يومين تم إعلان تشكيل وزاري جديد في السودان من قبل رئيس الوزراء الفريق أول بكري حسن صالح، هذه أول حكومة له منذ أضيف منصب رئيس الوزراء لكبينة القيادة في الحكومة السودانية واختيار بكري له.
لم يحدث تغيير كبير في الحكومة الجديدة بعكس ما كان متوقعاً، بدليل احتفاظ سبعة عشر وزيراً بمقاعدهم من جملة واحد وثلاثين.
وهذا يعني رغبة القيادة السودانية في إكمال الوزراء للمهام الموكلة إليهم، أو أن الحكومة ارتضت عدم التجريب وهو الأرجح خاصة وأن رئيس الوزراء قال في المؤتمر الصحفي الذي أعلن خلاله التشكيل الوزاري إن الفترة القادمة قصيرة تمتد حتى 2020.
التغيير الذي كان متوقعاً حدث في الطاقم الاقتصادي بمغادرة وزراء (المالية، التجارة الخارجية، المعادن، الزراعة والثروة الحيوانية) وبات ملاحظاً عدم احتفاظ وزير المالية بمنصبه لفترة طويلة، ولعل التغيير في الطاقم الاقتصادي يخفف عن الحكومة وطأة الضغط الشعبي عليها بعد ارتفاع تكاليف المعيشة في السودان.
-5-
في كل مرة بلهفة وفضول متحفز ينتظر السودانيون إعلان تشكيل وزاري جديد.
أكثر الوزراء عابرون على المناصب دون ذكر ولا عطر مميز، يعتبرون المنصب الوزاري فرصة لترتيب أوضاع ما بعض الخروج، يعملون بمبدأ السلامة.
يتغير الوزراء في السودان وتتعدد الأسماء والحال هو ذات الحال.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال