كتاب وأراء

وكـل شـيء عـنـده بمـقدار

توقف المفسرون كثيراً أمام قول الله تعالى «يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون»(سورة الروم: الآية 19) فقالوا إنها تشير إلى قدرة الله على خلق الأشياء المتقابلة من ذلك إخراج النبات من الحب وإخراج الحب من النبات، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وأضاف العلم إلى ذلك التفسير حقائق تؤكد المعنى وتقوم دليلاً جديداً قائماً على المشاهدة والملاحظة على قدرة الله سبحانه وتعالى.. فالعلم يقرر أن كل حي في الكون له عمر وله دورة، فكل كائن لابد أن يموت «لكل أجل كتاب» (سورة الرعد: الآية 38) و«لكل أمة أجل» (سورة الأعراف: الآية 34) ويتحول الكائن الحي إلى عناصر وتراب وغازات وتدور بها عجلة الحياة كما أرادها الخالق سبحانه، ففي الأرض ميكروبات تعيش على بقايا الكائن، وتمد النباتات جذورها في الأرض وتمتص عناصر حياتها ونموها من هذه العناصر وتخرج نباتا يتغذى به الإنسان والحيوان، وبعد أن تنتهي دورة حياتها يعود كل شيء إلى الأرض ليبدأ دورة جديدة فالموت يخرج منه حياة والحياة تنتهي إلى الموت، والدورة مستمرة إلى أن يشاء الله «وكل شيء عنده بمقدار» (سورة الرعد: الآية 8).
ولكي تدور عجلة الحياة لابد من وجود طاقة تحركها، وكما أن السيارة تحتاج إلى البنزين والإنسان يحتاج إلى المواد السكرية والنشوية والدهنية كأساس لتوليد الطاقة، ويحتاج إلى أشعة الشمس كما تحتاج إلى البروتينات والفيتامينات، وشاءت إرادة الخالق أن تخزن الأرض البترول لأن حياة الإنسان في مرحلة ستتوقف عليه، والبترول والفحم من أصل نباتي أو حيواني كلها اندثرت في الأرض ملايين السنين، وهكذا تدور دورة الحياة من كائن إلى كائن، ومن بقايا نبات وحيوان إلى ميكروبات، ومن باطن الأرض إلى النبات، ومن النبات إلى الحيوان والإنسان.
ودورة الحياة تشمل تيارات الهواء حول الأرض، فالجو من حولنا مترامي الأطراف، ويرتفع مئات الأميال، وتتكدس جزئياته على سطح الأرض فتخلق ضغطاً كبيراً على جوانب البشر وجوانب كل شيء، وخلق الله الغلاف الجوى من جزيئات نتروجين وأكسجين وثاني أكسيد كربون، وطاقة الشمس هي التي تبعث الحياة في دورات الماء ودورات الهواء ودورات الحرارة فتكون على الأرض حرارة، وبرودة، وبخار وأمطار ونسمات ورياح وكل ذلك بحساب دقيق لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.
والشمس هي أصل الحياة والطاقة، وهي- كما يقول الدكتور عبدالمحسن صالح- الموقد السماوي بأرضنا، وبغلاف الأرض وبالماء، والشمس التي تضيء الأرض هي نفسها تحترق لتعطي الأشعة والحرارة، فهي تحرق في كل ثانية أربعة ملايين طن من المواد المكونة لها، فتنشأ في جوفها حرارة تصل إلى أربعين مليون درجة مئوية، ونحن لا نشعر بهذه الحرارة لأن الشمس تبعد عنا بمقدار ألفى مليون ميل، أي أن ما يصل إلينا من حرارة الشمس هو جزء ضئيل ولو كان ما يصل إلينا أكبر من ذلك لكانت الأرض قد تحولت إلى فرن يكوي الوجوه، ولو كانت الحرارة أقل فإن الأرض تتحول إلى كتل من الجليد، فما يصل إلينا من الحرارة محسوب بمنتهى الدقة وكما يقول تعالى: «إنا كل شيء خلقناه بقدر» (سورة القمر: الآية 49) .
بقلم : رجب البنا

رجب البنا