كتاب وأراء

شباب بلا مستقبل

باستثناء الدول الخليجية، يعتقد الشباب في الدول العربية أن أيامهم الماضية كانت الأفضل، وبأنهم لن ينالوا مستقبلا آمنا في بلدانهم بعد اليوم.
هذا ما خلصت إليه النسخة التاسعة من استطلاع سنوي أجرته مؤسسة أصداء بيرسون- مارستيلر مؤخرا.
نصف أفراد العينة المستطلعة من الشباب العرب أفادوا أنهم قلقون جدا حيال توافر فرص العمل، وبزيادة 9 نقاط عن النسبة في العام الماضي. 69 % من شباب العراق يشعرون بفقدان الأمل بالحصول على وظيفة، ومثلهم 64 % في الجزائر.
وأظهرت نتائج الاستطلاع تراجعا في معدلات التفاؤل بين الشباب العربي في أنحاء كثيرة من المنطقة مع بروز فجوة متنامية بين شباب الدول الخليجية ونظرائهم في البلدان الأخرى. فقد أفاد 85 % من شباب الدول الخليجية بأنهم واثقون من أن بلدانهم كانت تمضي بالاتجاه الصحيح في السنوات الخمس الماضية. ونفس النسبة من دول عربية أخرى كاليمن والعراق قالت العكس تماما.
المهم في نتائج الاستطلاع اعتقاد غالبية الشباب العرب بأن نظام التعليم الحالي لا يؤهلهم لشغل وظائف في المستقبل.
الملاحظ في نتائج الاستطلاع أن دولا غنية بالنفط مثل ليبيا والجزائر، لا يشعر أغلبية شابها بالتفاؤل حيال المستقبل، والأكثر قلقا من البطالة.
واضح أن الأمر لا يتعلق بتوفر الموارد فقط، كما ظهر في الاستطلاع، بل في القدرة على إدارتها، والكفاءة في التعامل معها لصالح المجتمع.
ولم يشر الاستطلاع إلى عوامل اخرى مهمة كان لها الأثر البالغ في تراجع ثقة شباب بعض الدول العربية بمستقبلهم، وأبرزها تدهور الأوضاع الأمنية في بلدانهم، وتحولها لساحات حروب مزمنة، كما هو الحال في سوريا والعراق واليمن وليبيا، حتى غدت هذه البلدان دولا فاشلة بالمعايير الدولية.
الشباب العرب في عديد من الدول المنهارة هم ضحايا هذه الحروب. لقد فقدت هذه الفئات التي يعول عليها في نهضة الدول الثقة بمستقبل بلدانها، فهجرتها قسرا. ملايين الشباب السوريين اليوم توزعوا في أنحاء العالم كافة؛ عمالا أو عاطلين عن العمل. ومنذ عقد من الزمن وأكثر هجر عشرات الآلاف من الشبان العراقيين موطنهم، والتحقوا بمجتمعات أخرى بحثا عن حياة كريمة ومستقبل أفضل.
لقد تعطلت دورة الإنتاج والتعليم في تلك البلدان، ولم يعد هناك مدارس ولا جامعات في الأصل حتى نحكم على مستوى خريجيها. ملايين البشر في العالم العربي خسروا مستقبلهم.
أما في البلدان الأخرى التي لاتزال صامدة حتى الآن، فإن التحديات الاقتصادية، والأزمات الهيكلية تحول دون تحقيق معدلات نمو كافية لتحريك الاقتصاد وتوليد فرص عمل تستوعب الأعداد الكبيرة من الخريجين، ولهذا تسجل معدلات البطالة نسبا عالية، يرافقها تدني الأجور للوظائف المتوفرة، وغلاء المعيشة.
تمثل هذه الظروف مجتمعة عوامل طاردة للشباب، فتدفع بهم للبحث عن مستقبل خارج أوطانهم.
معدلات هجرة الشباب في العالم العربي تظهر ارتفاعا غير مسبوق في السنوات الأخيرة، وهى نسبة مرشحة للارتفاع باستمرار، في ظل تردي ظروف الحياة وانسداد الأفق.
طالما حذرت دراسات عربية ومؤسسات العمل العربي المشترك من هذه الظاهرة، لكن النظام العربي الرسمي لم ينجح في تطوير سياسات عربية للحد منها، وذهبت كل محاولات وقف نزيف الشباب العربي أدراج الرياح. ومع دخول عدد من الدول العربية الرئيسية طور الحروب الأهلية والفوضى، بات من الصعب الحديث عن مستقبل الشباب بمعزل عن أوطانهم التي تتعرض للتفكيك والتقسيم.
نعم الشباب العربي غير متفائل بالمستقبل، ما الذي يدفعهم للتفاؤل يا ترى؟

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان