كتاب وأراء

خسائر العولمة.. هل يمكن تعويضها؟

استغل الشعبويون أمثال السيد «ترامب» والسيدة «لوبان» وبقية اليمين المتطرف في أوروبا باقتدار مساوئ وسلبيات العولمة (ممثلة في الخسائر الناجمة عن حرية التجارة) لحشد ملايين المواطنين في كل من القارتين الأميركية والأوروبية للتصويت لهذا الجناح السياسي المتطرف، ومن أجل تحقيق مصالح ومكاسب حزبية، وأحيانا شخصية ضيقة، على حساب المصالح العامة لدولهم.
ولقد كتب الاقتصادي المشهور «داني رودريك» من جامعة هارفارد في 11 أبريل الماضي مقالا يحلل فيه هذه الظاهرة. وعزا «رودريك» هذه الظاهرة إلى الخطأ الذي وقع فيه معظم السياسيين حين أصروا على أن «العولمة تعود بالنفع على الجميع»، ولم يتقبلوا ما هو جلي وواضح الآن بأن «العولمة تنتج كلا من الفائزين والخاسرين». وأن العلاج الصحيح لمساوئ العولمة لا يكون بوقفها أو منعها وإنما الحل الصحيح يكمن في ضمان تعويض الخاسرين من العولمة.
ويؤيد «رودريك» في رؤيته اقتصادي آخر مشهور هو «نوريل روبيني» من جامعة نيويورك الذي يرى أن ردود الفعل العنيفة ضد العولمة مؤذية ومضرة وستؤدي في النهاية إلى الوضع الذي يمكن متطرفين من اعتلاء قمة الهرم السياسي. يرى «روبيني» أنه يمكن احتواء مثالب وسلبيات العولمة من خلال سياسات تعوض العمال عن الأضرار والتكاليف المباشرة والجانبية التي تحملوها كنتيجة لسياسات التجارة الحرة والانتقال غير المقيد لعناصر الإنتاج من راس مال وعمالة. وأضاف أنه «فقط من خلال سن هذه السياسات سيبدأ الخاسرون نتيجة للعولمة في الاعتقاد بأنهم قد ينضمون في النهاية إلى صفوف الفائزين».
ولقد وضح الاقتصاديون منذ وقت طويل أن تحرير التجارة يمكن أن يتسبب في إعادة توزيع الدخل لصالح فئات المنظمين ورواد الأعمال وأصحاب رأس المال وأن مجموعات العمال (وبخاصة قليلي المهارة منهم) يمكن أن يمنوا بخسائر مطلقة. ومن ثم هناك نوع من التوتر أو التناقض بين الانفتاح وحرية التجارة وبين إعادة التوزيع للموارد. ويكون هذا التوتر عادة في صالح الطبقات المعينة التي تمت الإشارة اليها سلفا وبين طبقة العمال والمزارعين. ومن ثم فإن البلدان المتقدمة الأكثر تعرضا للتقلبات في الاقتصاد الدولي هي أيضا البلدان التي تكونت فيها شبكات الأمان وبرامج التأمين الاجتماعي حيث أظهرت البحوث في أوروبا أن الخاسرين من العولمة داخل هذه البلدان يميلون إلى تفضيل البرامج الاجتماعية وخاصة الحمائية منها كما يحبذون التدخلات في سوق العمل. وهكذا يمكن القول إن دولة الرفاهية والاقتصاد المفتوح (خاصة في أوروبا) كانتا وجهين لعملة واحدة خلال معظم القرن العشرين
وبالمقارنة مع معظم الدول الأوروبية، كانت الولايات المتحدة متأخرة في العولمة. في 2010 كانت أميركا أقل الدول المتقدمة انفتاحا حيث كانت نسبة الواردات والصادرات لم تتعد 15% من الناتج القومي بينما معظم الدول الإسكندنافية تعدت هذه النسبة 40%. وحتى وقت قريب، وفر سوق أميركا المحلي الكبير والعزل الجغرافي النسبي حماية كبيرة من الواردات، لا سيما من البلدان المنخفضة الأجور. ولذا أميركا كانت تقليديا دولة رفاهية ضعيفة.
عندما بدأت الولايات المتحدة فتح أسواقها واستوردت الكثير من المكسيك والصين وغيرها من البلدان النامية، «تجاهل الخاسرين كان متعمدا». أبتدأ ذلك في عهد ريجان 1980 واستمر التجاهل في ظل الإدارات الديمقراطية اللاحقة. لذا لا غرابة في استغلال السيد «ترامب» لهذا التجاهل بحيث أصبح هؤلاء العمال هم القاعدة الأساسية لظهيره السياسي.
والسؤال الآن.. هل يمكن للولايات المتحدة عكس مسارها؟ بحيث لا يؤدى الاانخراط مع الاقتصاد العالمي إلى إعادة توزيع للدخل ضد الطبقات العاملة. هل يمكن اعتماد نظام ضريبي اتحادي أكثر تقدم في صالح الطبقات الفقيرة من عمال ومأجورين؟ لا أعتقد أن هذا وارد بل لقد أثبت السيد «ترامب» العكس وهو أن الاستياء من العولمة، يمكن بسهولة توجيهه لخدمة أجندة مختلفة تماما، وأكثر انسجاما مع مصالح النخب والطبقة الغنية.
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي