كتاب وأراء

مشقة أن تكون كاتبا سوريا

ليس من السهل على أي كاتب مقالات رأي عربي في هذه الأيام، اختيار موضوع ما للكتابة عنه، ليس لأن المواضيع والشؤون التي يمكن الكتابة عنها قليلة أو غير متوفرة، ولا لأن الصحافة العربية مفتوحة للكثير من كتاب الرأي الذين يكتبون في مختلف الموضوعات، بل لأن لحظة البدء بالكتابة والتفكير بموضوع ما ستكون هي المشكلة، إذ كيف سيتمكن أي كاتب من الكتابة عن مواضيع إنسانية مثلا، كالحب والصداقة والسفر والقراءة والأمومة والحياة عموما، أو عن فيلم سينمائي شاهده مؤخرا أو عن كتاب ممتع انتهى من قراءته أمس، أو عن حديث شيق تبادله مع أحد في الليلة الماضية، أو عن أي تفصيل صغير من تفاصيل يومه دون أن يصيبه شعور بالذنب وتأنيب الضمير لأنه يتعالى عما يحدث في بلاده، ويتجاهله ويكتب في شؤون قد تعتبر ترفا ورفاهية فكرية، بالقياس إلى الوضع العام المزري الذي يعيش فيه ملايين العرب حاليا، وإذا كان الكاتب سوريا فلن يعاني من تأنيب الضمير فقط، بل ربما سيجد من السوريين من يهاجمه ويطلق عليه اتهامات مختلفة، تبدأ بالتعالي على الحدث الكارثي الكبير، ولا يعرف أحد أين يمكن لها أن تنتهي، فالسوريون حاليا يعيشون حالة استثنائية من الكراهية والعداوة سببها لهم تخلي العالم بأكمله عنهم، وتركهم وحيدين في العراء، يواجهون أصعب محنة يمكن أن تمر على شعب في التاريخ البشري، هذه الخيبة التي صدم بها السوريون جعلتهم ممتلئين غضبا سيظهر على بعضهم البعض، ما دام العالم والحياة قد ضاقا بهم إلى حد أن الفيسبوك أصبح هو المشترك الوحيد تقريبا في علاقاتهم اليومية، والذي من خلاله يطلقون العنان لمشاعرهم، لتبدو مضخمة عما هي عليه في الحقيقة، سواء أكانت مشاعر كراهية أم حب، وسيعاني الكاتب السوري أيضا من مشكلة أخرى هي الكتابة عن الحدث اليومي ذاته، الحدث الذي يكتب عنه الجميع، أكانوا سوريين أو غير سوريين، في الصحافة بأنواعها، وفي المدونات الخاصة، وعلى الصفحات الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، الحدث الذي يتم تفكيكه وتركيبه عشرات المرات في اليوم، ما الذي يمكن لكاتب أن يضيفه في تناوله لهذا الحدث؟ يقينا، لا شيء جديد، هو فقط سيعيد كتابة ما قرأه وما تقدمه نشرات الأخباربأسلوبه، مضافا إليه رأيه الشخصي بالحدث، ولا شيء أكثر! وليست هذه المعضلة فقط في كتابة المقالات، بل هي حتى في أنواع الكتابة الإبداعية الأخرى، فمطالب من المبدع أن يكتب عن الحدث، كما لو أن المبدع هو كاتب تقرير صحفي، لهذا ربما لم تبتعد رواية سورية واحدة ظهرت خلال الخمس سنوات الماضية، عن الحدث السوري، بينما شذ الشعر قليلا لأسباب تتعلق بطبيعة الشعر نفسها، رغم أن كل ما كتب في الشعر السوري لم ينج من الموت والعزلة والخوف والتشرد والمنفى، وهي مفردات باتت يومية في الحالة السورية، ما الذي سيفعله الكاتب إذا؟ الكاتب الذي لا معنى لحياته ولا لوجوده إلا في الكتابة! يقينا لا شيء يمكنه أن يفعله غير أن يواصل الكتابة عن كل ما يخطر له، فالكتابة بحد ذاتها هي موقف ضد الموت المحيط به من كل صوب.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران