كتاب وأراء

الرسام المجروح

لو أنك طلبت من أحد أن ينتقد عملا ما، قمت به واعتبرته إبداعا فسيفعل، وقد يضع فيه ألف عيب وعيب، وقد يجرحك بكلامه حتى تأسف على اللحظة التي طلبت فيها منه ذلك، لكنك لو طلبت منه أن يدلك على السبل التي تعينك على الارتقاء بعملك ذاك وتصحيح ما به من أخطاء فالأكيد أنه لن يفعل، فمن طبيعة الناس – مع بعض الاستثناءات طبعا - أن ينتقدوا كل عمل يسمعوا عنه أو يروه لكنهم لا يقدمون على تصويبه وتحسينه، ما يؤكد أن النقد سهل، ويؤكد أيضا أن فهم أغلب الناس لمعنى النقد قاصر، فالنقد لا يعني التعرض للسلبيات فقط ولكنه يعني بيان السلبيات والإيجابيات معا.
في هذا الخصوص تتوفر قصة تؤكد هذا المعنى ملخصها أن رساما تتلمذ على يد فنان كبير، ثم عندما تمكن من أدواته قرر أن يختبر نفسه فرسم لوحة جميلة ووضعها في طريق المارة وأرفق بها إعلانا مفاده أن من يرى في اللوحة خطأ فليس عليه إلا أن يضع علامة (X) في أي مكان منها. في اليوم التالي فوجئ بأن اللوحة امتلأت بتلك العلامة حتى اختفت معالمها فحزن وأخبر معلمه بذلك معتبرا نفسه فاشلا، لكن معلمه طلب منه أن يعيد رسم اللوحة ويضعها في نفس المكان ويطلب من المارة أن ينتقدوا ما يرونه خطأ و»يحسنوه ويصححوه»، ففوجئ في اليوم التالي أن اللوحة لم تمس.
هكذا هم الناس دائما، وهكذا هو فهمهم للنقد وتعاملهم مع ما ينتجه الآخرون، والمؤسف أن هذا الأمر يشمل حتى المتخصصين، فلو أن ذلك الرسام طلب ما طلبه من العامة من الرسامين ذوي الخبرة والتجربة لفعلوا الشيء نفسه، لن يترددوا عن المشاهدة والإشارة إلى السلبيات وما يرونه من وجهة نظرهم أخطاء لكنهم أبدا لن يقدموا على خطوة شرح كيفية الارتقاء بالعمل وتصحيحه وتحسينه، بل أنهم سيقولون بسهولة إن هذا ليس عملنا ولسنا مدرسة.
هذا الأمر ينطبق على كل شيء في الحياة، جرب أن تعمل أي شيء وتطلب من الآخرين أن يبدوا رأيهم فيه، سيفعلون ولكنهم لن يقدموا على خطوة بيان الكيفية التي يمكنك بها أن تحسن عملك. سيفعلون ذلك حتى وهم يعلمون أن العمل الذي قمت به غير عادي وربما يعتبر جبارا ويصنف في خانة الإبداع.
هذا لا يعني عدم فتح الباب للآخرين كي يبدوا أراءهم في ما تعمل، ولكن ينبغي الانتباه إلى هذا الذي يمكن اعتباره من الطبيعة البشرية وإلى فهم الآخرين لمعنى النقد، ويعني أيضا أن عليك ألا تأخذ بما يقوله الآخرون عن عملك وكأنه الحقيقة التي ما بعدها حقيقة، ذلك أن كل واحد منهم ينظر إلى العمل الذي أمامه من منظار مختلف وزاوية مختلفة ويستند إلى خبرة وتجربة قد لا يمتلكها الآخرون، وهذا يفسر اختلاف الآراء في كل موضوع وكل عمل يرونه أو يسمعون عنه.
بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن